كابتن أسامة شقمان
وحين أقرأ أن الجهات المختصة ضبطت منذ بداية العام عشرات الحالات لأطفال عاملين، وأن الزيارات التفتيشية جرت، وأن المخالفات حُررت، والإنذارات وُجهت، فإنني لا أتوقف عند الرقم فقط. الرقم مهم، لكنه ليس الحقيقة كلها. الحقيقة الأوجع تبدأ بعد الرقم: من هؤلاء الأطفال؟ من أي بيوت خرجوا؟ من أي فقر جاءوا؟ من أي خوف؟ من أي عجز؟ ومن أي صمت اجتماعي طويل؟
أنا أكتب اليوم بصفتي طيارًا متقاعدًا قضى ما يزيد على أربعين عامًا في السماء، ثم عاد إلى الأرض يحمل عادة المراقبة وقراءة المؤشرات. في الطيران، لا يكفي أن تعرف أن هناك خللًا في الجهاز؛ الأهم أن تعرف لماذا حدث الخلل، ومن أين بدأ، وهل عولج السبب أم جرى الاكتفاء بإسكات الإنذار. أما في قضية عمالة الأطفال، فأخشى أننا كثيرًا ما نسمع صوت الإنذار، ثم نكتفي بتسجيله في تقرير.
أن يُضبط طفل يعمل، فهذا لا يعني أننا أنقذناه. قد نكون فقط نقلناه من مكان إلى آخر، أو أخفينا صورته عن أعين المفتشين، أو أعدناه إلى البيت نفسه الذي دفعه إلى الشارع أو الورشة أو السوق. الإنقاذ الحقيقي لا يبدأ بتحرير مخالفة لصاحب العمل فقط، بل يبدأ حين يذهب أحدهم إلى بيت الطفل، ويطرق الباب، ويجلس مع الأم أو الأب أو الجدة، ويسأل السؤال الذي نخجل منه جميعًا: لماذا يعمل هذا الطفل؟
هل يعمل لأن أباه عاطل؟ هل يعمل لأن أمه مريضة؟ هل يعمل لأن الأسرة لا تملك أجرة البيت؟ هل يعمل لأنه ترك المدرسة؟ هل يعمل لأنه لا يجد في المدرسة معنى ولا رعاية ولا احتواء؟ هل يعمل لأنه لاجئ؟ هل يعمل لأنه فقير؟ هل يعمل لأنه صار رجلًا صغيرًا قبل أن يكون طفلًا؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا إداريًا. هذه هي جوهر القضية. فالطفل العامل ليس مخالفة تم ضبطها، بل حكاية يجب أن تُفهم. وليس ملفًا يُغلق بعد الإنذار، بل جرحًا اجتماعيًا يجب أن يُفتح بصدق حتى لا يتقيح تحت جلد الوطن.
المؤلم أننا حين نتحدث عن عمالة الأطفال نبدو أحيانًا وكأننا نلاحق النتيجة ونترك السبب. نرى الطفل في السوق ولا نرى الجوع في البيت. نرى يده وهي تعمل ولا نرى المقعد الفارغ في الصف. نرى المخالفة في الورشة ولا نرى التقصير في السياسات الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية. نرى الطفل كحالة، ولا نراه كدليل إدانة لنا جميعًا.
إن الدولة مسؤولة، والمجتمع مسؤول، والأسرة مسؤولة، وصاحب العمل مسؤول. لكن المسؤولية الأكبر تقع على من يملك القدرة على التدخل والحماية والقرار. لا يجوز أن نطلب من طفل فقير أن ينتصر وحده على فقره. ولا يجوز أن نطلب من أسرة مسحوقة أن تختار التعليم بينما الجوع واقف على الباب. ولا يجوز أن نلوم الطفل على خروجه إلى العمل إذا كان المجتمع كله قد أغلق في وجهه أبواب الأمان.
المسألة أخطر من أن تُدار بمنطق الحملات الموسمية. عمالة الأطفال ليست حدثًا يقع في 12 حزيران ثم نعود إلى النسيان في 13 حزيران. إنها جرس يومي يرن في الشوارع والأسواق والأحياء الفقيرة. كل طفل يعمل هو سؤال مفتوح في وجه الدولة والمجتمع: أين الحماية الاجتماعية؟ أين المدرسة الجاذبة؟ أين المتابعة الأسرية؟ أين لجان التحقيق الميدانية؟ أين التقرير الذي يقول لنا لا كم طفلًا ضُبط فقط، بل لماذا اضطر كل واحد منهم إلى العمل؟
أخشى أن يتحول الطفل العامل في بلادنا إلى رقم بارد. ثلاثة وستون حالة، أو أكثر، أو أقل. لكن خلف كل رقم وجه. وخلف كل وجه بيت. وخلف كل بيت قصة فقر أو تفكك أو مرض أو غياب أو تسرب أو عجز. وإذا لم نقرأ هذه القصص، فإننا لا نكافح عمالة الأطفال، بل نكافح صورتها فقط.
إن الخطر الحقيقي ليس أن يعمل طفل واحد، بل أن يعتاد المجتمع رؤية الطفل وهو يعمل. أن نمر بجانبه عند الإشارة الضوئية فلا تهتز فينا شعرة. أن نراه يحمل ما لا يحتمله عمره، فنقول: الله يعينه. أن نشتري منه ثم نمضي، وكأننا ساعدناه، بينما ربما كنا نثبت وجوده في المكان الخطأ.
لا أريد لهذا المقال أن يكون بكاءً عابرًا، بل صرخة. نعم، صرخة. لأن الموضوع خطير. خطير على التعليم، وعلى العدالة، وعلى الأمن الاجتماعي، وعلى مستقبل الأردن. فالطفل الذي يغادر المدرسة إلى العمل لا يخسر طفولته وحدها، بل نخسر معه مواطنًا كان يمكن أن يكون طبيبًا أو معلمًا أو مهندسًا أو طيارًا أو كاتبًا أو إنسانًا أكثر قدرة على حماية نفسه ووطنه.
من السماء تعلمت أن الطائرة لا تسقط فجأة في أغلب الأحيان. قبل السقوط تكون هناك مؤشرات، وأصوات، وتنبيهات، وانحرافات صغيرة. والمجتمعات كذلك لا تتصدع فجأة. تتصدع حين يصبح الفقر عاديًا، والتسرب المدرسي عاديًا، وعمل الطفل عاديًا، وحين يتحول الألم إلى منظر يومي لا يوقظ أحدًا.
لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس بيانًا جديدًا، بل نهج جديد. كل طفل يُضبط في سوق العمل يجب أن يُفتح له ملف حماية لا ملف مخالفة فقط. يجب أن تزوره لجنة اجتماعية في بيته. يجب أن تُعرف ظروف أسرته. يجب أن يُسأل عن مدرسته، وعن صحته، وعن سبب خروجه للعمل. يجب أن توضع خطة لإعادته إلى التعليم أو التدريب الآمن المناسب لعمره، وأن تُدعم أسرته إن كان الفقر هو السبب. أما أن نكتفي بمعاقبة صاحب العمل ونترك الطفل يعود إلى الطريق نفسه، فذلك يشبه إطفاء لمبة الإنذار وترك الحريق تحت الأرض.
في 12 حزيران، لا نحتاج إلى أن نقول إننا ضد عمالة الأطفال. هذا كلام سهل. نحتاج أن نثبت أننا ضد الأسباب التي تصنع عمالة الأطفال: ضد الفقر الذي يدفع الطفل إلى السوق، ضد المدرسة التي تفقده، ضد المجتمع الذي يعتاد عليه، ضد الاقتصاد الذي يستغل ضعفه، وضد البيروقراطية التي ترى الملف ولا ترى الوجه.
إن الطفل ليس يدًا عاملة رخيصة، وليس حلًا مؤقتًا لأزمة بيت، وليس فائضًا بشريًا يُدفع إلى هامش السوق. الطفل وطن صغير. وإذا كُسرت طفولته، كُسر في داخله شيء من مستقبل البلاد.
لهذا أكتب اليوم بحزن وبحدة. لأن الحزن وحده لا يكفي، ولأن اللطف الزائد في وصف المأساة قد يتحول إلى تواطؤ لغوي. عمالة الأطفال ليست ظاهرة مؤسفة فقط، إنها فضيحة أخلاقية حين لا نعرف أسبابها، ولا نلاحق جذورها، ولا نطمئن إلى مصير الأطفال بعد ضبطهم.
السؤال اليوم ليس: كم طفلًا عاملًا تم ضبطه؟
السؤال الأعمق والأقسى: كم طفلًا لم نرَه بعد؟
وكم طفلًا رأيناه ولم نسأل عنه؟
وكم طفلًا أعدناه إلى الفقر نفسه بعد أن كتبنا عنه تقريرًا؟
وكم مرة احتفلنا بالطفولة بينما تركناها تعمل تحت أعيننا؟
الأردن لا يحمي مستقبله بالشعارات، بل بحماية أطفاله. ولا يرتفع الوطن فوق الغيم إذا كان بعض أطفاله تحت ثقل الحاجة. فالطفولة هي مدرج الإقلاع الأول، ومن لا يؤمّن هذا المدرج، لا يضمن سلامة الرحلة.
في 12 حزيران، يجب أن نقولها بوضوح: كل طفل يعمل في مكان لا يليق بعمره هو رسالة تقصير موجهة إلينا جميعًا. إلى الدولة، إلى المجتمع، إلى المدرسة، إلى الأسرة، إلى الإعلام، وإلى كل من رأى وسكت.
وحين يسألنا التاريخ يومًا: ماذا فعلتم حين رأيتم أطفالكم يعملون؟
لن يكفي أن نقول: ضبطنا حالات.
سيكون علينا أن نقول: ذهبنا إلى بيوتهم، فهمنا أسبابهم، أسندنا أسرهم، أعدناهم إلى مدارسهم، وحمينا طفولتهم.
وإن لم نفعل، فليست المشكلة في الأطفال الذين عملوا، بل في الكبار الذين تركوهم يعملون.
فقط للمعلومة:
وفق ما نُشر عن وزارة العمل، جرى خلال الربع الأول من عام 2026 تنفيذ 941 زيارة تفتيشية، وضبط 63 حالة طفل عامل، وتحرير 24 مخالفة و66 إنذارًا. لكن السؤال الذي يبقى مفتوحًا: هل عولجت أسباب خروج هؤلاء الأطفال إلى العمل، أم عولجت المخالفة فقط؟
وحين أقرأ أن الجهات المختصة ضبطت منذ بداية العام عشرات الحالات لأطفال عاملين، وأن الزيارات التفتيشية جرت، وأن المخالفات حُررت، والإنذارات وُجهت، فإنني لا أتوقف عند الرقم فقط. الرقم مهم، لكنه ليس الحقيقة كلها. الحقيقة الأوجع تبدأ بعد الرقم: من هؤلاء الأطفال؟ من أي بيوت خرجوا؟ من أي فقر جاءوا؟ من أي خوف؟ من أي عجز؟ ومن أي صمت اجتماعي طويل؟
أنا أكتب اليوم بصفتي طيارًا متقاعدًا قضى ما يزيد على أربعين عامًا في السماء، ثم عاد إلى الأرض يحمل عادة المراقبة وقراءة المؤشرات. في الطيران، لا يكفي أن تعرف أن هناك خللًا في الجهاز؛ الأهم أن تعرف لماذا حدث الخلل، ومن أين بدأ، وهل عولج السبب أم جرى الاكتفاء بإسكات الإنذار. أما في قضية عمالة الأطفال، فأخشى أننا كثيرًا ما نسمع صوت الإنذار، ثم نكتفي بتسجيله في تقرير.
أن يُضبط طفل يعمل، فهذا لا يعني أننا أنقذناه. قد نكون فقط نقلناه من مكان إلى آخر، أو أخفينا صورته عن أعين المفتشين، أو أعدناه إلى البيت نفسه الذي دفعه إلى الشارع أو الورشة أو السوق. الإنقاذ الحقيقي لا يبدأ بتحرير مخالفة لصاحب العمل فقط، بل يبدأ حين يذهب أحدهم إلى بيت الطفل، ويطرق الباب، ويجلس مع الأم أو الأب أو الجدة، ويسأل السؤال الذي نخجل منه جميعًا: لماذا يعمل هذا الطفل؟
هل يعمل لأن أباه عاطل؟ هل يعمل لأن أمه مريضة؟ هل يعمل لأن الأسرة لا تملك أجرة البيت؟ هل يعمل لأنه ترك المدرسة؟ هل يعمل لأنه لا يجد في المدرسة معنى ولا رعاية ولا احتواء؟ هل يعمل لأنه لاجئ؟ هل يعمل لأنه فقير؟ هل يعمل لأنه صار رجلًا صغيرًا قبل أن يكون طفلًا؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا إداريًا. هذه هي جوهر القضية. فالطفل العامل ليس مخالفة تم ضبطها، بل حكاية يجب أن تُفهم. وليس ملفًا يُغلق بعد الإنذار، بل جرحًا اجتماعيًا يجب أن يُفتح بصدق حتى لا يتقيح تحت جلد الوطن.
المؤلم أننا حين نتحدث عن عمالة الأطفال نبدو أحيانًا وكأننا نلاحق النتيجة ونترك السبب. نرى الطفل في السوق ولا نرى الجوع في البيت. نرى يده وهي تعمل ولا نرى المقعد الفارغ في الصف. نرى المخالفة في الورشة ولا نرى التقصير في السياسات الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية. نرى الطفل كحالة، ولا نراه كدليل إدانة لنا جميعًا.
إن الدولة مسؤولة، والمجتمع مسؤول، والأسرة مسؤولة، وصاحب العمل مسؤول. لكن المسؤولية الأكبر تقع على من يملك القدرة على التدخل والحماية والقرار. لا يجوز أن نطلب من طفل فقير أن ينتصر وحده على فقره. ولا يجوز أن نطلب من أسرة مسحوقة أن تختار التعليم بينما الجوع واقف على الباب. ولا يجوز أن نلوم الطفل على خروجه إلى العمل إذا كان المجتمع كله قد أغلق في وجهه أبواب الأمان.
المسألة أخطر من أن تُدار بمنطق الحملات الموسمية. عمالة الأطفال ليست حدثًا يقع في 12 حزيران ثم نعود إلى النسيان في 13 حزيران. إنها جرس يومي يرن في الشوارع والأسواق والأحياء الفقيرة. كل طفل يعمل هو سؤال مفتوح في وجه الدولة والمجتمع: أين الحماية الاجتماعية؟ أين المدرسة الجاذبة؟ أين المتابعة الأسرية؟ أين لجان التحقيق الميدانية؟ أين التقرير الذي يقول لنا لا كم طفلًا ضُبط فقط، بل لماذا اضطر كل واحد منهم إلى العمل؟
أخشى أن يتحول الطفل العامل في بلادنا إلى رقم بارد. ثلاثة وستون حالة، أو أكثر، أو أقل. لكن خلف كل رقم وجه. وخلف كل وجه بيت. وخلف كل بيت قصة فقر أو تفكك أو مرض أو غياب أو تسرب أو عجز. وإذا لم نقرأ هذه القصص، فإننا لا نكافح عمالة الأطفال، بل نكافح صورتها فقط.
إن الخطر الحقيقي ليس أن يعمل طفل واحد، بل أن يعتاد المجتمع رؤية الطفل وهو يعمل. أن نمر بجانبه عند الإشارة الضوئية فلا تهتز فينا شعرة. أن نراه يحمل ما لا يحتمله عمره، فنقول: الله يعينه. أن نشتري منه ثم نمضي، وكأننا ساعدناه، بينما ربما كنا نثبت وجوده في المكان الخطأ.
لا أريد لهذا المقال أن يكون بكاءً عابرًا، بل صرخة. نعم، صرخة. لأن الموضوع خطير. خطير على التعليم، وعلى العدالة، وعلى الأمن الاجتماعي، وعلى مستقبل الأردن. فالطفل الذي يغادر المدرسة إلى العمل لا يخسر طفولته وحدها، بل نخسر معه مواطنًا كان يمكن أن يكون طبيبًا أو معلمًا أو مهندسًا أو طيارًا أو كاتبًا أو إنسانًا أكثر قدرة على حماية نفسه ووطنه.
من السماء تعلمت أن الطائرة لا تسقط فجأة في أغلب الأحيان. قبل السقوط تكون هناك مؤشرات، وأصوات، وتنبيهات، وانحرافات صغيرة. والمجتمعات كذلك لا تتصدع فجأة. تتصدع حين يصبح الفقر عاديًا، والتسرب المدرسي عاديًا، وعمل الطفل عاديًا، وحين يتحول الألم إلى منظر يومي لا يوقظ أحدًا.
لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس بيانًا جديدًا، بل نهج جديد. كل طفل يُضبط في سوق العمل يجب أن يُفتح له ملف حماية لا ملف مخالفة فقط. يجب أن تزوره لجنة اجتماعية في بيته. يجب أن تُعرف ظروف أسرته. يجب أن يُسأل عن مدرسته، وعن صحته، وعن سبب خروجه للعمل. يجب أن توضع خطة لإعادته إلى التعليم أو التدريب الآمن المناسب لعمره، وأن تُدعم أسرته إن كان الفقر هو السبب. أما أن نكتفي بمعاقبة صاحب العمل ونترك الطفل يعود إلى الطريق نفسه، فذلك يشبه إطفاء لمبة الإنذار وترك الحريق تحت الأرض.
في 12 حزيران، لا نحتاج إلى أن نقول إننا ضد عمالة الأطفال. هذا كلام سهل. نحتاج أن نثبت أننا ضد الأسباب التي تصنع عمالة الأطفال: ضد الفقر الذي يدفع الطفل إلى السوق، ضد المدرسة التي تفقده، ضد المجتمع الذي يعتاد عليه، ضد الاقتصاد الذي يستغل ضعفه، وضد البيروقراطية التي ترى الملف ولا ترى الوجه.
إن الطفل ليس يدًا عاملة رخيصة، وليس حلًا مؤقتًا لأزمة بيت، وليس فائضًا بشريًا يُدفع إلى هامش السوق. الطفل وطن صغير. وإذا كُسرت طفولته، كُسر في داخله شيء من مستقبل البلاد.
لهذا أكتب اليوم بحزن وبحدة. لأن الحزن وحده لا يكفي، ولأن اللطف الزائد في وصف المأساة قد يتحول إلى تواطؤ لغوي. عمالة الأطفال ليست ظاهرة مؤسفة فقط، إنها فضيحة أخلاقية حين لا نعرف أسبابها، ولا نلاحق جذورها، ولا نطمئن إلى مصير الأطفال بعد ضبطهم.
السؤال اليوم ليس: كم طفلًا عاملًا تم ضبطه؟
السؤال الأعمق والأقسى: كم طفلًا لم نرَه بعد؟
وكم طفلًا رأيناه ولم نسأل عنه؟
وكم طفلًا أعدناه إلى الفقر نفسه بعد أن كتبنا عنه تقريرًا؟
وكم مرة احتفلنا بالطفولة بينما تركناها تعمل تحت أعيننا؟
الأردن لا يحمي مستقبله بالشعارات، بل بحماية أطفاله. ولا يرتفع الوطن فوق الغيم إذا كان بعض أطفاله تحت ثقل الحاجة. فالطفولة هي مدرج الإقلاع الأول، ومن لا يؤمّن هذا المدرج، لا يضمن سلامة الرحلة.
في 12 حزيران، يجب أن نقولها بوضوح: كل طفل يعمل في مكان لا يليق بعمره هو رسالة تقصير موجهة إلينا جميعًا. إلى الدولة، إلى المجتمع، إلى المدرسة، إلى الأسرة، إلى الإعلام، وإلى كل من رأى وسكت.
وحين يسألنا التاريخ يومًا: ماذا فعلتم حين رأيتم أطفالكم يعملون؟
لن يكفي أن نقول: ضبطنا حالات.
سيكون علينا أن نقول: ذهبنا إلى بيوتهم، فهمنا أسبابهم، أسندنا أسرهم، أعدناهم إلى مدارسهم، وحمينا طفولتهم.
وإن لم نفعل، فليست المشكلة في الأطفال الذين عملوا، بل في الكبار الذين تركوهم يعملون.
فقط للمعلومة:
وفق ما نُشر عن وزارة العمل، جرى خلال الربع الأول من عام 2026 تنفيذ 941 زيارة تفتيشية، وضبط 63 حالة طفل عامل، وتحرير 24 مخالفة و66 إنذارًا. لكن السؤال الذي يبقى مفتوحًا: هل عولجت أسباب خروج هؤلاء الأطفال إلى العمل، أم عولجت المخالفة فقط؟




