القلعة نيوز- قدم حزب المحافظين الأردني ورقة موقف حول مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه العقبة في الأردن.
وجاءت الورقة على النحو التالي :
أولاً: الملخص التنفيذي
يرى حزب المحافظين الأردني أن مشروع الناقل الوطني لتحلية ونقل مياه العقبة إلى المحافظات هو مشروع سيادي استراتيجي لا يجوز التعامل معه كمشروع بنية تحتية عادي، بل كجزء من أمن الأردن الوطني والمائي والاقتصادي. فالأردن من أفقر دول العالم مائياً، وتبلغ حصة الفرد من المياه المتجددة نحو 61 مترًا مكعبًا سنويًا، وهي أقل بكثير من خط الفقر المائي المطلق البالغ 500 متر مكعب سنويًا.
وبناءً على ذلك، يدعم الحزب المشروع من حيث المبدأ، لأنه يوفر مصدرًا وطنيًا غير تقليدي ومستدام نسبيًا للمياه، ويقلل الضغط على المياه الجوفية، ويعزز استقلال القرار المائي الأردني. لكن هذا الدعم يجب أن يكون مشروطًا برقابة مالية وبيئية صارمة، وعدالة في التسعير، وخطة وطنية موازية لتقليل الفاقد المائي، وصيانة الشبكات، وحماية خليج العقبة من الأثر البيئي للتحلية.
ثانياً: خلفية المشروع
مشروع الناقل الوطني، أو مشروع العقبة–عمان لتحلية ونقل المياه، يقوم على تحلية مياه البحر الأحمر من خليج العقبة ثم نقلها إلى عمان ومحافظات أخرى. تستهدف الحكومة إنتاج نحو 300 مليون متر مكعب من المياه المحلاة سنويًا، وهو رقم كبير مقارنة بحجم العجز المائي في الأردن. وتشير بيانات تمويلية حديثة إلى أن المشروع يتضمن محطة تحلية، وخط نقل مائي طويل تحت الأرض يصل إلى نحو 438 كم، إضافة إلى خزانات ومحطات ضخ، ومكوّن طاقة شمسية بقدرة تقارب 281 ميغاواط لتغطية جزء من احتياجات الطاقة.
كما وافق مجلس الوزراء في آذار 2026 على منحة أمريكية بقيمة 203 ملايين دولار لدعم المشروع، بينما وافق البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية على قرض بقيمة 475 مليون دولار في نيسان 2026. أيضا الولايات المتحدة ستقدم تمويلاً بقيمة 69 مليون دولار ضمن برنامج تبلغ كلفته الإجمالية 78.2 مليون دولار، يهدف إلى تهيئة البنية التحتية لاستقبال مياه مشروع الناقل الوطني، خاصة في محافظتي عمّان والزرقاء. وتشمل الأعمال إنشاء خزانات استراتيجية، وخطوط ناقلة، وربط الشبكات، وأنظمة حديثة للحد من الفاقد المائي.
موقف حزب المحافظين الأردن:
يدعم حزب المحافظين الأردني تنفيذ مشروع الناقل الوطني، لكن ليس دعماً مفتوحاً أو غير مشروط. موقف الحزب هو:
نعم للمشروع باعتباره ضرورة وطنية، ولكن لا لتنفيذه بلا رقابة، ولا لتمويله على حساب المواطن، ولا لتجاهل الفاقد المائي والآثار البيئية.
ينطلق هذا الموقف من أربعة مبادئ محافظة:
1. الأمن الوطني أولاً: الماء ليس خدمة فقط، بل عنصر سيادة واستقرار.
2 . المسؤولية المالية: لا يجوز تحميل الخزينة أو المواطن كلفة مبالغاً بها دون شفافية.
3 . حماية الأسرة الأردنية: يجب ألا يتحول المشروع إلى ارتفاع كبير في فواتير المياه.
4 . حماية الموارد الطبيعية: خليج العقبة والبيئة البحرية ثروة وطنية لا تقل أهمية عن المياه المنتجة.
ثالثاً: إيجابيات المشروع:
1 . تعزيز الأمن المائي الوطني
أهم إيجابية في المشروع أنه يوفر مصدرًا مائيًا جديدًا لا يعتمد على الأمطار أو المياه الجوفية. وهذا مهم لأن الأردن يعاني من شح مزمن، وتغير مناخي، ونمو سكاني، وضغط على مصادر المياه التقليدية. الاستراتيجية الوطنية للمياه 2023–2040 تعتبر المصادر غير التقليدية، ومنها الناقل الوطني، جزءًا أساسيًا من معالجة شح المياه.
2 . تقليل الاعتماد على المياه الجوفية المستنزفة
يعتمد الأردن منذ عقود على آبار ومصادر جوفية تتعرض للاستنزاف. المشروع قد يساعد على تخفيف الضغط عن الأحواض الجوفية، وإعطاء الدولة فرصة لإعادة تنظيم السحب الجائر وإغلاق الآبار غير المجدية أو المستنزفة تدريجياً. وقد صرّحت وزارة المياه بأن المشروع سيساعد على تقليل الضغط على الموارد الجوفية والسطحية.
3. تعزيز السيادة المائية
من منظور محافظ، هذه نقطة جوهرية. الأردن بحاجة إلى مصدر مياه وطني قدر الإمكان، يقلل الحاجة إلى الاعتماد على اتفاقيات خارجية أو مساعدات ظرفية. المشروع لا يلغي التعاون الإقليمي، لكنه يمنح الأردن قدرة تفاوضية أعلى واستقراراً أكبر في قراره المائي.
4. دعم الاقتصاد وفرص العمل
المشروع من أكبر مشاريع البنية التحتية في تاريخ الأردن، وقد وصفته الحكومة بأنه مشروع قادر على دعم النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل. كما أن تنفيذ محطة تحلية وخط ناقل ومحطات ضخ وطاقة متجددة سيخلق فرصًا في الهندسة، الإنشاءات، التشغيل، الصيانة، والخدمات المساندة.
5 . تحسين عدالة توزيع المياه بين المحافظات
إذا نُفّذ المشروع بعدالة، فقد يساعد على تحسين التزويد المائي في المحافظات، وليس فقط في عمان. وزارة التخطيط أشارت إلى أن المشروع سيخدم عمان والعقبة ومحافظات على مسار الخط مثل معان والطفيلة والكرك ومادبا.
رابعاً: سلبيات ومخاوف المشروع:
1.الكلفة المالية العالية
المشروع ضخم جداً، وتظهر في المصادر أرقام مختلفة للكلفة: بعض التصريحات الرسمية تحدثت عن كلفة تقارب ملياري دينار، بينما أشارت تقارير دولية إلى تمويلات واستثمارات بمليارات الدولارات. هذا التفاوت بحد ذاته يستدعي شفافية أكبر، لأن المواطن من حقه أن يعرف: ما الكلفة النهائية؟ ما حصة القروض؟ ما حصة المنح؟ وما أثر ذلك على التعرفة والدين العام؟
2 .خطر ارتفاع فواتير المياه
التحلية ونقل المياه من العقبة إلى المرتفعات عملية مكلفة، خاصة بسبب الطاقة والضخ لمسافات طويلة وارتفاعات كبيرة. لذلك يخشى الحزب أن تُنقل الكلفة لاحقًا إلى المواطن عبر رفع التعرفة. موقف الحزب هنا واضح: لا يجوز أن يتحول المشروع إلى عبء مباشر على الأسر محدودة ومتوسطة الدخل.
3 .الاعتماد الكبير على الطاقة
تحلية مياه البحر ونقلها لمسافة طويلة يحتاجان إلى طاقة كبيرة. صحيح أن المشروع يتضمن محطة طاقة شمسية تغطي جزءًا من الاحتياج، لكن ذلك لا يغطي كل الطاقة المطلوبة. تشير بيانات المشروع إلى أن الطاقة الشمسية المخطط لها قد تغطي نحو 28% من احتياجات الكهرباء، مع سقف للانبعاثات الكربونية. لذلك يبقى المشروع مرتبطًا بأمن الطاقة وأسعارها.
4 .الأثر البيئي على خليج العقبة
المشروع مصنف بيئياً ضمن الفئة A لدى جهات تمويل دولية، وهي فئة تعني وجود آثار بيئية واجتماعية كبيرة محتملة تتطلب تقييماً ورقابة تفصيلية. وتشمل المخاطر المحتملة التأثير على الشعاب المرجانية، والكائنات البحرية، وتصريف المياه المالحة المركزة، والضوضاء البحرية أثناء الإنشاءات.
5 .المشروع لا يحل مشكلة الفاقد وحده
من أخطر الأخطاء أن تعتقد الحكومة أن إنتاج مياه جديدة يكفي لحل الأزمة. إذا استمرت نسب الفاقد والتسرب والاعتداءات وضعف الشبكات، فإن جزءًا من مياه المشروع سيضيع قبل أن يصل إلى المواطن. الاستراتيجية الوطنية تستهدف تقليل الفاقد المائي تدريجياً بنسبة 2% سنوياً وصولاً إلى خفض كبير بحلول 2040.
خامساً: التحديات الرئيسية أمام التنفيذ
1.تأمين التمويل النهائي دون تحميل الخزينة مخاطر غير محسوبة.
2.ضبط كلفة التشغيل، خصوصاً الطاقة والصيانة.
3.حماية البيئة البحرية في العقبة من الرجيع الملحي ومخاطر الإنشاء.
4.إصلاح شبكات المياه قبل وصول الكميات الجديدة.
5.ضمان عدالة التوزيع بين عمان والمحافظات.
6.منع أي احتكار أو عقود طويلة غير متوازنة مع القطاع الخاص.
7.إقناع الرأي العام بالمشروع عبر نشر معلومات واضحة ودورية.
سادساً: التوجهات المستقبلية التي يقترحها حزب المحافظين
1. ربط المشروع بخطة وطنية لتقليل الفاقد المائي
يجب ألا يبدأ ضخ المياه الجديدة في شبكة متهالكة. لذلك يقترح الحزب أن يكون هناك مسار إلزامي موازٍ لتحديث الشبكات، تركيب عدادات ذكية، كشف التسربات، ومحاسبة الاعتداءات على المياه.
.2إنشاء هيئة رقابة مستقلة على المشروع
يقترح الحزب تشكيل لجنة رقابة وطنية تضم مجلس النواب، ديوان المحاسبة، خبراء مياه، خبراء بيئة، وممثلين عن المجتمع المحلي في العقبة والمحافظات المستفيدة. مهمتها متابعة الكلفة، العقود، مراحل الإنجاز، والالتزام البيئي.
3 .حماية المواطن من ارتفاع التعرفة
يدعو الحزب إلى تعرفة عادلة تقوم على حماية أول كمية أساسية للاستخدام المنزلي بسعر مدعوم، مع تسعير أعلى للاستهلاك المفرط وغير الضروري. بمعنى: لا يُعاقب المواطن العادي، لكن يُحاسب الهدر.
4. ربط المشروع بالطاقة المتجددة
يجب توسيع مكون الطاقة الشمسية والبحث في تخزين الطاقة واتفاقيات شراء كهرباء منخفضة الكلفة، لأن أمن المياه في هذا المشروع سيصبح مرتبطاً بأمن الطاقة.
5. وضع خطة بيئية خاصة بخليج العقبة
يجب نشر نتائج تقييم الأثر البيئي للرأي العام، ووضع نظام مراقبة مستمر لملوحة المياه، الشعاب المرجانية، الحياة البحرية، وجودة المياه. حماية العقبة يجب أن تكون خطاً أحمر.
6. إعطاء المحافظات أولوية واضحة
يجب أن تعلن الحكومة منذ البداية كيف ستتوزع المياه المنتجة، وما حصة كل محافظة، وكيف سيؤثر المشروع على دور المياه الأسبوعي، ومتى يشعر المواطن بالتحسن الفعلي.
سابعاً: توصيات حزب المحافظين الأردني:
يوصي الحزب بما يلي:
أ – في المشاركة الوطنية :
يوصي الحزب بخلق ذراع استثماري خاص ومؤهل لإستيعاب مشاركة المواطنين في تمويل المشروع، ومن خلال صكوك التمويل الأسلامي او العادي، وتشجيع ابناء الوطن على المشاركة الفاعلة فيه؛ ليكون مقدمة لاستثمارات أخرى يكون المستفيد منه الوطن والمواطنين.
ب – في الإطار الفني والرقابي:
1.المضي بالمشروع باعتباره ضرورة وطنية.
2.نشر الكلفة النهائية وآلية التمويل والعقود الرئيسية للرأي العام.
3.عدم رفع التعرفة على الأسر محدودة ومتوسطة الدخل بسبب المشروع.
4.إصلاح الشبكات وتقليل الفاقد بالتوازي مع تنفيذ الناقل.
5.ضمان رقابة بيئية صارمة على خليج العقبة والرجيع الملحي.
6.توسيع الاعتماد على الطاقة المتجددة لتقليل كلفة التشغيل.
7.إعطاء الشركات الأردنية والعمالة المحلية حصة عادلة في التنفيذ.
8.وضع جدول زمني واضح ومعلن لمراحل الإنجاز.
9.إصدار تقرير نصف سنوي للرأي العام حول التقدم، الكلفة، والمخاطر.
10.منع تحويل المشروع إلى باب جديد للديون أو العقود غير الشفافة.
الخاتمة
إن مشروع الناقل الوطني استجابة ضرورية لأزمة مائية تهدد الأمن الاقتصادي والاجتماعي في الأردن. لكن الضرورة لا تعني منح شيك مفتوح للحكومة أو المستثمرين. موقف حزب المحافظين هو دعم المشروع باعتباره مشروع سيادة وأمن وطني، مع الإصرار على الشفافية، العدالة، حماية المواطن، وحماية البيئة. وبذلك، فإن الحزب يرى أن نجاح الناقل الوطني لا يُقاس فقط بعدد الأمتار المكعبة المنتجة، بل بقدرته على تحقيق ثلاثة أهداف معاً: مياه آمنة للمواطن، كلفة عادلة على الدولة والأسر، وبيئة بحرية محمية في خليج العقبة.




