شريط الأخبار
ترامب: طهران تتوسل للتوصل إلى اتفاق .. "ولم ترَ شيئاً بعد" استرداد القرآن، من قراءة التعبد إلى قراءة التدبر... رئيس وزراء باكستان يدعو الولايات المتحدة وإيران إلى ضبط النفس الملك ينعى الرائد المظلي المتقاعد سميح جنكات جورامكو راعياً ذهبياً لملتقى الأساتذة الفخريين الثالث في الجامعة الأردنية وزير الثقافة يستقبل نظيره السوري الحنيطي يقود تحركًا نيابيًا لعفو عام يشمل القضايا المسقطة حقًا شخصيًا ويستثني الجرائم الجسيمة والفساد حسّان يوجّه بصيانة مرافق وأقسام مستشفى الرمثا الحكومي الأردن في بيان عاجل يدين اتهامات "الحوثي" للسعودية وتهديدات حرية الملاحة عملية طعن تستهدف سائحين أميركيين في قلب أثينا الاحتلال يصدر أمرا عسكريا بوضع اليد على أكثر من 5 آلاف دونم من أراضي جبع إسقاط 3 صواريخ إيرانية استهدفت الأردن الجيش: تحييد خمس طائرات مسيّرة إيرانية حسان في جولة ميدانية شمالا .. ويتفقد مشروع قرية جرش السياحية القاضي للمومني: الإعلام شريك أساسي في مسيرة البناء الوطني أبرز أرقام كأس العالم 2026 .. نسخة تاريخية حطمت كل التوقعات ارتفاع أسعار الذهب محليا إلى 83.7 دينارا للغرام البحرين: التصدي لعدد من الهجمات الجوية الإيرانية الملك يغادر أرض الوطن في زيارة إلى المملكة المتحدة ضعف عوائد صندوق استثمار أموال الضمان

إعادة وزارة التموين حماية اجتماعية وضبط اقتصادي

إعادة وزارة التموين حماية اجتماعية وضبط اقتصادي
د. عبدالله عقيل العقيل
دخل الأردن مرحلة تحول اقتصادي شملت إلغاء وزارة التموين عام 1998، انسجاماً مع توصيات برامج الإصلاح والتكيف الهيكلي المقدمة من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والتوجه نحو اقتصاد السوق الحر.
كانت الفلسفة المفترضة لتلك التوصيات تقوم على أن التحرير الاقتصادي وإطلاق قوى العرض والطلب سيعززان المنافسة، ويخفضان الأسعار تلقائياً، ويقللان العجز والمديونية. غير أن الشواهد الملموسة عبر العقود الماضية أثبتت أن التطبيق المطلق لهذه النظرية أفرز تشوهات في السوق المحلي؛ حيث أدى غياب الجهة الرقابية المتخصصة إلى تنامي حالات "احتكار القلة" والتواطؤ الضمني في تحديد الأسعار، مما جعل الطبقتين الفقيرة والوسطى الضحية الأولى للتضخم وتآكل القدرة الشرائية للرواتب والأجور.
ومع تصاعد الأزمات المعيشية، تتأكد الحاجة السياسية والاقتصادية إلى إعادة إحياء وزارة التموين بمرجعية هيكلية حديثة. وهنا يبرز مفهوم دقيق يجب وضعه في نصابه: إن الدعوة لإعادة الوزارة لا تعني عودة "الدولة التاجرة" التي تدعم كافة السلع وتستورد كل شيء لترهق خزينة الدولة بالديون، بل تعني إعادة "الدولة المنظمة والمراقبة" ذات الضابطة العدلية الصارمة.
إن وجود وزارة تموين مستحدثة، تتولى التخطيط والرقابة بمرونة وديناميكية، لن يصطدم إطلاقاً مع التزامات الأردن والاتفاقيات الدولية، بما فيها اتفاقية التجارة العالمية (GATT) أو اتفاقيات التجارة الحرة الشريكة. فمن الناحية القانونية الدولية، تركز تلك الاتفاقيات على حركة السلع عبر الحدود ورفض التمييز الجمركي، بينما تمنح الدول سيادتها الكاملة في تنظيم أسواقها الداخلية، وتطبيق مبدأ "المعاملة الوطنية"، وضبط الأسعار، ومكافحة الاحتكار لحماية أمنها الغذائي ومواطنيها.
الآثار الإيجابية لإعادة الوزارة على المشهد الاقتصادي والاجتماعي:
-التمييز بين سلع الكفاف وسوق المنافسة: إعادة وضع نشرة سعرية سقفية إلزامية يومية للسلع الاستهلاكية الطازجة (كالخضار والفواكه) والمواد التموينية الأساسية (كاللحوم والدواجن والزيوت) لمنع شطط الوسطاء والتجار، مع ترك السلع المعمرة والإنشائية والتكنولوجية لقوى السوق والتنافس الحر.

-استقرار القيمة الشرائية للرواتب: إن ضبط هوامش الربح يحمي الأجور من التآكل السريع، مما يحافظ على قدرة المواطن على الاستهلاك، ويحرك عجلة الأسواق المحلية ويحمي الطبقة الوسطى من الانزلاق نحو الفقر.
-تخفيف الاحتقان الاجتماعي وتكاليفه: يسهم الشعور بوجود رقيب رسمي حازم في بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، مما يدعم الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وهو العنصر الأهم لجذب الاستثمارات وتنشيط الاقتصاد.
-تنشيط الحركة الاقتصادية دون زيادة العجز: طالما أن دور الوزارة سيمارس أدوات الرقابة والسقوف السعرية العادلة بناءً على التكاليف الحقيقية دون تقديم دعم مالي عشوائي، فإن موازنة الدولة لن تتحمل أعباء ديون جديدة، بل ستحتفظ الدولة بإنفاقها المالي وتكسب ضبطاً حقيقياً لأسواقها.
-تراجع معدلات الجريمة والاعتداء على المال: إن ضبط الأسعار وحماية القوت اليومي للمواطن ينعكسان فوراً على استقرار المجتمع؛ حيث سنلمس انخفاضاً ملموساً في جرائم الاعتداء على المال العام بشكل خاص، والجرائم المتعلقة بالاعتداء على الأموال والممتلكات بشكل عام، لأن الضغط المعيشي هو المغذي الأول للعديد من الظواهر الجرمية.
ملف عقارات الإيجار: الثقب الأسود في دخل المواطن : ويبقى لدينا أثر هام ومكمل لهذه المنظومة، يتمثل في الارتفاع غير المبرر لأسعار إيجارات العقارات والشقق السكنية، التي باتت تكبد المواطن الفقير ومحدود الدخل نصف راتبه أو أكثر. وهنا أيضاً أثبتت آليات "التنافس وعوامل السوق" المزعومة عجزها وفشلها في إيجاد توازن عادل، بل تركت المواطن تحت رحمة المضاربات العقارية وجشع بعض المالكين.
إن استكمال الرؤية الإصلاحية يتطلب أن يمتد الدور التنظيمي للدولة ليملأ هذا الفراغ، سواء عبر تعديل التشريعات الحاكمة لقوانين المالكين والمستأجرين، أو وضع سقوف استرشادية ملزمة لإيجارات السكن بحسب المناطق والمواصفات، لضمان ألا تلتهم أزمة السكن ما يُوفر في سلة الغذاء.
إن مراجعة التجربة الاقتصادية السابقة بجرأة لا تعني الارتداد عن التطوير، بل تعني تصحيح المسار ليكون الاقتصاد في خدمة الإنسان. واستجابة لحاجة أردنية ملحة تتطلب الاستقرار والعدالة الاجتماعية والأمن المجتمعي بمفهومه الشامل.