د.ميساء المصري
في العصر الحديث، لم تعد الدول مهددة فقط بالقوات العسكرية التي تعبر الحدود. فأكثر الصراعات تعقيدًا اليوم تُخاض في وقت واحد عبر مجالات متعددة، المعلومات، والإدراك، والشرعية، والهوية، والوعي الجمعي.
اي دولة قوية تمتلك سيادة على أراضيها، وأجهزة أمنية قادرة، واعترافًا دبلوماسيًا واسعًا، لكنها تظل معرضة لنقطة ضعف استراتيجية إذا فقدت القدرة على التحكم في الرواية التي تعرّف بها نفسها وهنا يكمن جوهر حرب الروايات.
بالنسبة للأردن، لأن من يصنع الرواية يصنع الإدراك. ومن يسيطر على الإدراك يؤثر في الخيارات السياسية، والتحالفات، والشرعية، وفي النهاية في اتجاه مستقبل الدولة.
يقع الأردن في واحدة من أكثر البيئات الجيوسياسية تنافسًا وتعقيدًا في العالم. فكل طرف إقليمي رئيسي يمتلك تفسيرًا خاصًا للأردن يتشكل وفق مصالحه وحساباته. وهناك من يربطه بمشروعات النفوذ الإقليمي أو التحالفات الدولية أو حسابات التوازن الجيوسياسي.
كل هذه القراءات موجودة والبعض يميزها والبعض الآخر ينكرها والبعض في الطرف المقابل يوظفها سياسيا .
لكن التحدي الاستراتيجي يكمن في أن الرواية الوطنية الأردنية غالبًا ما تجد صعوبة في منافسة الروايات الخارجية التي تُنتج عن البلاد.
وحتى لا يهاجمني بعضكم أنا أعني أن هنالك روايات لم تتحول دائمًا إلى رواية استراتيجية متماسكة قادرة على المنافسة في بيئة المعلومات الحديثة.
في الجغرافيا السياسية المعاصرة، أصبحت الروايات جزءًا من عناصر القوة الوطنية. فالقوة العسكرية تحمي الأرض، والقوة الاقتصادية تدعم القدرة على الصمود، والقوة الدبلوماسية توسع النفوذ، لكن قوة الرواية هي التي تحدد كيف تُفهم الدولة، وكيف يُنظر إلى سياساتها، ومدى قدرتها على بناء الشرعية والتأثير.
وهنا تظهر أهمية مفاهيم مثل الحرب الهجينة، والقوة الناعمة، والحرب الإدراكية.
فالحرب الهجينة لم تعد تقتصر على العمليات العسكرية التقليدية، بل أصبحت تشمل الضغط السياسي، والهجمات السيبرانية، والتأثير الاقتصادي، والحملات الإعلامية، والأدوات النفسية التي تهدف إلى إضعاف المجتمعات من الداخل. فالهدف بات عسكريًا عبر إضعاف الثقة بالدولة، وزيادة الانقسامات الداخلية، وصناعة تصورات عن ضعفها أو فقدان شرعيتها و في هذا السياق تصبح الرواية الوطنية جزءًا من الأمن القومي.
فالدولة التي تسمح للآخرين بركوب أمواجها بتعريف تاريخها ومصالحها وهويتها تخلق ثغرة استراتيجية. وعندما ينجح الآخرون في تحديد إطار النقاش حولها، فإنهم لا يؤثرون فقط على الآراء، بل يؤثرون على البيئة السياسية الداخلية التي تُصنع فيها القرارات.
وهذا هو جوهر الحرب الإدراكية حرب الوعي و الصراع على تشكيل الطريقة التي ترى بها المجتمعات الواقع نفسه.
فالخطر لا يكمن فقط في المعلومات المضللة، بل في أن تبدأ المجتمعات بتبني الأسئلة والافتراضات والأطر الفكرية التي يصنعها الآخرون. عندها لا يعود التأثير الخارجي بحاجة إلى سيطرة مباشرة، لأن المعركة تكون قد انتقلت إلى داخل وعي المواطنين.
بالنسبة للأردن، لا يتمثل التحدي في صناعة صورة مصطنعة أو رواية سياسية مبالغ فيها أو مغايرة أو حتى هزلية أو تعتمد على خلق فجوة عنصرية . فالرواية الوطنية الجادة لا تُبنى على الشعارات أو الادعاءات أو حتى تصريحات عبثية ذات مصالح بل على التاريخ الحقيقي، والتحليل الاستراتيجي، والاعتراف الصريح بالإنجازات والتحديات معا .
الدول القوية لا تنكر نقاط ضعفها، وتحالفاتها المصلحية بل تضعها في سياق استراتيجي أوسع.
وهي كذلك لا تدّعي الكمال، بل تثبت قدرتها على الصمود.
ولا تخفي تعقيداتها، بل تشرح لماذا جاءت خياراتها نتيجة لواقع إقليمي صعب.
بوضوح الرواية الأردنية يجب ان تنتقل من حالة الدفاع المستمر إلى حالة المبادرة. فكثير من الدول تفقد جزءًا من نفوذها لأنها تنفق طاقتها في الرد على روايات الآخرين بدلًا من تحديد الإطار الذي تُفهم من خلاله قصتها الخاصة وأول المتلقين هم الشعب .
على الدولة ان تجيب عن أسئلة أساسية:
ما الدور الذي يلعبه الأردن في استقرار المنطقة؟
ما الأسس التي تقوم عليها هويته الوطنية؟
لماذا يمثل أمن الأردن أهمية تتجاوز حدوده؟
ما الإسهامات التي قدمها في الاستقرار الإقليمي والدولي؟
ما التحديات التي واجهها؟ وكيف تمكن من التكيف معها؟ وما هي مبررات تحالفاتنا .
هذه الأسئلة اصبح من الضروري اجابة الناس عنها في عصر وسائل التواصل الاجتماعي والمعلومات الفورية .
عزيزاتي اعزائي . أصبح كل مواطن وكل مؤسسة وكل مجتمع محلي جزءًا من صناعة الصورة الوطنية. فالجامعات، والمدارس، والمنصات الإعلامية، والباحثون، ورجال الأعمال، والفنانون، والدبلوماسيون، والجنود، والمغتربون في الخارج، جميعهم يساهمون في تشكيل الصورة التي يُنظر بها إلى الأردن.
الأردن لا يحتاج إلى رواية تصوره كدولة بلا أخطاء. بل يحتاج إلى رواية تشرح واقعه بثقة. فرواية وطنية ناضجة تعترف بالصعوبات لكنها تظهر القدرة على التحمل، وتقر بالأخطاء لكنها تحمي السياق التاريخي، وتقبل النقد لكنها ترفض اختزال دولة كاملة في حدث عابر أو شعار سياسي أو شخص خارج الحدود.
إن أكبر خطأ استراتيجي يمكن أن ترتكبه أي دولة هو افتراض أن الآخرين يفهمونها تلقائيًا. إنهم لا يفعلون ذلك.الإدراك والوعي مختلف وكذلك المنصات .
العالم لا يرى الدول دائمًا كما ترى نفسها. بل يرى الروايات الأكثر قدرة على الوصول والانتشار.
وإذا لم تشرح الدولة تجربتها بنفسها، فإن الآخرين سيشرحونها وفق مصالحهم.وهم كثر ومتربصون.
اليوم، معركة الأردن ليست فقط حول حماية الأرض أو إدارة عدم الاستقرار الإقليمي. إنها أيضًا حول حماية حقه في تعريف نفسه. والجمع بين القوة الصلبة والقوة الناعمة، وبين الأمن والشرعية، وبين المصالح الوطنية والرواية الاستراتيجية المقنعة.
نحن لا نتساءل كيف ندافع عن الأردن؟ بل كيف نفهم الأردن وفق رؤيته هو، لا وفق روايات الآخرين عنه؟ لأن الدولة التي تفقد السيطرة على روايتها في صراع القرن الحادي والعشرين تخاطر بفقدان جزء من قدرتها على التأثير في مستقبلها.



