صراع المشاريع، والمخرج في إيجاد مشروع الأمة
القلعة نيوز -
ما نجح اليهود ولا غيرهم في النيل من الأمة إلا في زمن تخلفت فيه الأمة والقيم والأخلاق، وغاب الوعي عنها، فأصبح كل واحد منهم هو ذاتٌ مستقلة. ويُتفق المهتمون بعلم الاجتماع، من ابن خلدون إلى يومنا هذا، بأنه عندما يصبح عالم الأشياء مقدماً على مفهوم الجماعة كجماعة والحرص على مصالحها وبقائها، وعندما يصبح مفهوم الجماعة مقدماً على مفهوم الأفكار (تلك الأفكار التي تساهم في خلق القيم والوعي وتصنع الإنسان الحضاري)؛ عندها تصبح الأمة في خطر.
نحن بضعةٌ بين الأمم، ويجب أن نتوحد على هدف يجمعنا لما فيه مصلحتنا جميعاً. وعندما قال الملك الحسين الراحل -رحمه الله-: "إذا لم نتوحد، فإن 'قم' ستتحكم بمصيرنا جميعاً"، كانت هذه الكلمة نبوءة ذهبت إلى يومنا هذا. نحن لم توحدنا قمة "الوفاق والاتفاق"، ولا قمة بغداد ولا الكويت ولا القاهرة، ولم توحدنا قمم ولا مؤتمرات، وما زلنا نظن أن المشروع الذي من الممكن أن يوحدنا (نحن السنة) هو ضرب من الخيال؛ فهناك أهواء ورغبات وأطماع شخصية تتعارض مع المصلحة العامة للأمة.
ومن هنا، نجد أن النهج الهاشمي ما زال يسعى لخلق وحدة بين الأمة بصورة ما؛ هذه الصورة بدأت مع الشريف حسين. وإن ما تعرض له الشريف حسين وما سيتعرض له (تاريخياً) يجعل كل باحث في تاريخ الأمة الحديث يصطدم هنا، وهذا الاصطدام تغذيه نزعة أو توجه أو أيديولوجية. فمن يسعى للحقيقة يضع كل الظروف على الطاولة، ويبدأ بجمع أجزاء الصورة المشتتة للوصول إلى ذلك التصور الذي شكله الشريف حسين -رحمة الله عليه-. أما من أراد أن يرى في الفعل فقط أثره على الحكم العثماني، فسيقوم بتفكيك هذه الصورة ليتناسب مع توجهه، ومن أراد أن يرى أثره على القضية الفلسطينية، سيقوم بذلك، وهكذا سنجد أننا أمام مجموعة من التصورات المدعومة بمجموعة من الحجج والبراهين، و"كلٌ يغني على ليلاه".
ولكن، هل تغني هذه عن الحقيقة وعن الواقع الذي كان حاضراً في تلك الفترة؟ فترة سقوط الدولة العثمانية نتيجة للمنحنى الذي وضعت نفسها (ووضعها حكامها) فيه، أم عدم قدرة العرب -من خلال الدول الوازنة في المنطقة، وخاصة مصر- على صياغة مشروع تنخرط فيه دول المنطقة ليكون المخرج من الأزمة؟ لقد أضعف الحكم العثماني ليس فقط الدول العربية، بل وغيرها، وهمّش التعليم والحركات الإصلاحية والدينية فيها، ما جعل من هذه المنطقة تحديداً هشة وخاصرة رخوة في الأمة؛ فكانت بغداد ودمشق شبه مهملتين، وهناك قبضة حديدية من قبل جماعة "التتريك" وجماعة "الاتحاد والترقي". هل كان هذا الهدف مقصوداً؟ لا أدري حقيقة، ولكنه كان نتيجة موجودة على أرض الواقع.
بل إن هجرة اليهود إلى فلسطين والبدء بإنشاء تجمعات ومستوطنات كان في ظل الحكم العثماني، وكان هناك حركة شراء أراضٍ بشكل كبير، وجزء من المشكلة الكبيرة التي ساهمت في ضياع فلسطين كان نظام الطابو العثماني الذي سمح لعائلات مثل سرسق وغيرها بامتلاك إقطاعيات كبيرة وبيعها لليهود، وكان بعض قائمقامي العثمانيين هم من سهّلوا انتقال هذه الأملاك لهذه العائلات والأشخاص، ومن ثم انتقالها لليهود بملكيات كبيرة، ومع علم السلاطين بذلك عبر تقارير وصلت لهم، لم يتم اتخاذ إجراء من قبلهم إلا في أواخر حكم السلطان عبد الحميد، وكان أمامه فرصة كبيرة سابقاً لإيقاف ذلك. وإضافة إلى ذلك، لم تقم السلطنة بتأهيل الفلسطينيين مدنياً وعسكرياً للمرحلة القادمة، مع علمهم الدقيق بتفاصيلها، وكان في قدرتهم تدريب وتسليح وتشكيل قوات ميدانية قادرة على المقاومة والدفاع والحد من انتشار اليهود الصهاينة لاحقاً على أرض فلسطين.
والحراك العالمي كان واضحاً ويؤثر بشكل كبير، كما هو مؤثر اليوم؛ فقد اختارت "إسطنبول" الوقوف مع ألمانيا وأجبرت الأفراد والأقاليم على الانخراط في هذا الصراع، وكان هناك تجنيد إجباري وضياع للدم المسلم عامة والعربي خاصة، مع أنه كان هناك توجه قوي يرفض هذا التحالف ويرى أثره على الواقع. وكان هناك تقييد للسلاطين في محاولة من مجموعة من "النخبة" والدولة العميقة (ممثلة بجماعة الاتحاد والترقي المسيطرة على الوضع القائم من خلال أنور وجمال وطلعت باشا) للتحكم بالمشهد. هذه قراءة بسيطة لواقع تلك المرحلة.
ومن أراد التقاط المواقف للتحقق من ذلك، يستطيع العودة إلى الوثائق التي عمل على توفيرها الدكتور محمد العدوان وبثها في كتبه القيمة كما هي. ومن هنا، أصبح من أهداف الملك عبد الله الأول -رحمه الله- السعي للوحدة؛ وثبت، كما أشار الباحث محمد العدوان بالوثائق، أن الملك عبد الله الأول سعى لوحدة بين العراق وسوريا والأردن وفلسطين ولبنان، مع استعداده للتنازل عن السلطة في سبيل ذلك، لأنه يدرك أنه يواجه مشروعاً صهيونياً توسعياً إحلالياً. ومن هنا أيضاً، أدرك الحسين -رحمه الله- أن الأمة معرضة لخطورة مشروع جديد يهددها ويهدد وجودها ودينها وكيانها ومساجدها وعقيدتها، كما يهدد المشروع الصهيوني المنطقة. وهنا قد تختلف درجة التصنيف للخطورة بحسب الموقف الذي يقف منه كل واحد منا، ولكن المشروع في "قم" ليس مشروعاً يسمح بتعدد المذاهب والأيديولوجيات في المجمل، ويسعى لصهر الجميع في أيديولوجيته الشيعية، ولو حكماً وليس منهجاً؛ فهو لا يعطي أي سماحية بممارسة أي شعائر تختلف أو تعارض ما يريد، ويسعى لتهميش أو تحييد هذا المكون كما حدث في إيران، ليصبح المكون السني هامشياً وغير مؤثر. وهنا نجد أن تهديد المشروع الشيعي لليهود قائم ويشكل خطورة عليهم، ولكنه أيضاً يهدد المشروع السني، الذي كان السبب في إنهاء كل المشاريع الشيعية التي قامت في هذه المنطقة عبر تاريخ الأمة.
وهنا أقف مع الحرب الإيرانية العراقية؛ فقد بدأ التهديد للعراق من مرشد الثورة "الخميني"، هو من بدأ خطاب التهديد كما هو مثبت في محاضر وشهادات متعددة، وهو الذي أطلق الحكم بكفر صدام حسين، وهو الذي بدأ يطالب المرجعيات الشيعية ويرسل لها الخطابات بضرورة التخلص من هذا "الطاغية الفاسد الكافر بحكم الشريعة" -والكلام له-، وبدأ يحرض الجنود في الجيش العراقي على الثورة على صدام والالتزام بالمرجعيات الشيعية التي بدأ بعضها بالتحرك والتنسيق معه، وبدأت هناك محاولات لاغتيال بعض رموز النظام العراقي. وهنا، هل وجد صدام نفسه أمام فرصة للتخلص من هذا العدو التاريخي والسعي لإنهاء مشروعه والاستفادة من السياسة الجغرافية وشط العرب؟ هل كان هناك تحريض من جهات غربية لتحقيق هذا الهدف، وأن الجهات الغربية ستدعم هذا التوجه؟ والمرحلة كانت مرحلة ما بعد الثورة، والأمور ليست مستقرة، وتمت محاكمة وتسريح عدد كبير من القادة والجنود؛ هذا كان هو الحال في بداية الحرب العراقية الإيرانية.
إن النصر والهزيمة هما في الحقيقة طريق طويل يبدأ بإعداد الأمة لتتفاعل مع قضاياها المصيرية بطريقة إيجابية، وتكون هناك أهداف تساهم في خلق الوحدة ونبذ الفرقة وتوحيد جهود المجتمع لتكون محصلة عملهم في اتجاه واحد، وفي إحباط مخططات أعداء الأمة التي تسعى دائماً لاستغلال الفرقة والخلاف والسعي للمصالح الذاتية لتدمير الأمة والنيل منها ومن رموزها ودينها وعقيدتها. فالدول القوية لا تُحكم من الخارج، ولن تستطيع القوى الخارجية النيل منها وتفكيكها ما لم تكن مهيأة عنصرياً وطائفياً، وضعيفة دينياً ومستعدة للفرقة والاختلاف. هنا يكون الوعي الديني والحضاري والالتزام الأخلاقي أساساً متيناً في سبيل النهضة والتحرر من التبعية.
وهنا نتذكر أن الوقفة التاريخية لأهل الشام ومصر في وجه المغول والحملات الصليبية كان لها أسبابها؛ فهي لم تكن وليدة اللحظة، ولكن كانت نتيجة إعداد مجموعة من العلماء (مثل العز بن عبد السلام وابن تيمية) في صناعة الوعي، وبعض القادة (من أمثال قطز وبرقوق وبيبرس). ما ساهم في عدم قدرة المغول على المضي قدماً في فتحهم هي تلك الوقفة الباسلة في معركة "عين جالوت" (658 هـ / 1260 م).
وهنا نقول بأن المشكلة ليست في الشيعة ولا في "قم"، ولكن المشكلة في أن تجد الأمة روحها ومشروعها الحضاري الذي يوحد صفها ويجمع شملها، ويجعل عصبيتها قائمة في خدمة قضاياها، لا سبباً في تجسيد فرقتها وتمزيق صفها. فنظرة البعض (أفراداً وجماعات) قائمة على مصالح ضيقة وخسائر ذاتية، ولكنها لا توسع نظرتها لترى ماذا خسرت الأمة كلها بسبب هذه الفردانية أو الأنانية أو الطائفية، وكيف تتجهز مشاريع هنا وهناك لتحل محل المشروع الأممي الذي يخدم الأمة ديناً وأفراداً ودولاً.
لقد خسر الملايين من البشر حياتهم وبلدانهم عبر التاريخ، هنا وفي كل أصقاع الأرض؛ في الصين وروسيا وألمانيا وفيتنام وفي أوروبا وأمريكا، من أجل أن تصل الدول إلى حالة من الاستقرار. ولكن هذا الاستقرار قد يجلب السلام للآخرين، وقد يجلب الحرب لهم. وما فعلته أوروبا وأمريكا عبر تاريخهما المعروف أنهما لم يجلبا السلام للعالم، بل الحروب والدمار. وإذا لم تجد الأمة طريقاً لتوحيد صفها ومشروعها، فهي ستبقى رهينة مشاريع الآخرين وأطماعهم.
إبراهيم أبو حويله




