للتاريخ... شهادة
القلعة نيوز-
ليس كل من أخطأ في قراءة المستقبل خائنًا، وليس كل من انتصر في النهاية صاحب الحق، والتاريخ لا يُفهم بالنتائج وحدها، بل بالظروف والوثائق والخيارات التي كانت متاحة لأصحابه في لحظتهم التاريخية.
يقول وصفي..(خرج العرب من الحرب العالمية الأولى والسنين الثلاث التي تلتها وقد خدعهم الحلفاء.
وجزأتهم معاهدة سايكس بيكو، وقسمت ديارهم إلى مناطق استعمار وانتداب ونفوذ بين الحلفاء المناصرين.
ووعد بلفور لليهود في فلسطين وشرق الأردن، وأطاح الفرنسيون بحكم الملك فيصل في دمشق عام 1920، (التي كان الشريف حسين وعبدالله يسعيان لسوريا الكبرى على أقل تقدير، ولكنه نظام عالمي استعماري في حينه، وسط تصاعد قوي للحركة الصهيونية وتأثيرها على مراكز القرار)، هذا جعل العرب، وعلى الأخص في الهلال الخصيب، في وضع ذهول ومرارة وإنكار وعدم تصديق لما حدث، وبصورة تشبه الذهول والمرارة التي أصابت العرب بعد نكبة فلسطين...) انتهى..
سنين طويلة تحت الحكم التركي، ونقص في الخبرة والحكم والخطط والتخطيط والاستراتيجيات العالمية والتحالفات الداخلية والخارجية، وقلة في المال والعتاد، هذا كان واقع تلك المرحلة...
وإذا لم نفهم الدرس، فقد تتكرر النتائج.. وهل لنا دور فيما آلت إليه الحال؟ ...
لقد لعبت السياسة الاستعمارية على حلم الوحدة والتحرر من بقايا الحكم العثماني، وهو لم يكن، برأيي، في مجمله خلافة بأي صورة، وإن كان هناك صور مشرقة لبعض السلاطين ومركزية حكم ملكية للخليفة في إسطنبول، لكن لم يكن يرافق هذه الصورة إلا القليل من التأثير على الأطراف، بل تعددت صور الظلم خلال فترات حكم لبعض السلاطين.
ولكن نعم، اتضح لاحقًا أن هذا القليل لم يكن قليلًا إلى تلك الدرجة، إذا ما تمت مقارنته بالنتائج التي تسبب بها الاستعمار لاحقًا، والتقسيم والنهب للخيرات والثروات والتسلط على المفاهيم والثقافة.
ولكن أليس منا الآن من يرى الواقع، برغم ما فيه من إنجازات، قليلًا ويسعى للتغيير، وهو لا يدرك حقيقة ما يحمله هذا التغيير؟
ليس دفاعًا عن أحد، وفي نهاية الدولة العثمانية كان الرجل العجوز في إسطنبول مريضًا، والإدارة على الأطراف غارقة في الفساد والظلم والضرائب والتجاذبات والتحالفات المشبوهة، ولورنس وبيكو وسايكس وغري وراستور وآنا يجوبون المنطقة ويزرعون الفتن ويشترون الولاءات ورجال القبائل.
وهناك نوعان من رجال القبائل: نوع كانوا في نزاع ورفض للواقع المؤلم، أمثال عودة أبو تايه، مطاردين من بقايا الحكم العثماني، وهناك أمل يلوح في الأفق بوعود كاذبة من منافقين فرنسيين وإنجليز بأمل ومستقبل أجمل، وهذا تعاون مع لورنس حتى يحقق حلم التحرر...
والإنجليز والفرنسيون، في الحقيقة، كانوا يعدون العدة لتقسيم المنطقة وزرع اليهود ومنحهم أرضًا عربية إسلامية مقابل دعم الحركة الصهيونية وجعلها تؤثر على صاحب القرار الأمريكي وغيره من مراكز القوى العالمية، خاصة أن اليهود كان لهم تأثير كبير في هذه الفترة، والكل بحاجة لولائهم، وهناك صراعات وتجاذبات عالمية، والكل يتطلع للمشاركة في تركة الرجل المريض؛ سيطرة واحتلال وتقسيم هذه الأرض التي تنعم بالخيرات وموقع جغرافي مميز وشعب لا يملك الكثير من المقومات وبسيط...
نعم، لم نكن هناك في تلك الفترة ولم نعانِ مما عانوا منه، ولكن ما كانوا يبحثون عنه هو غد أفضل لهم وللأجيال من بعدهم، وهذا حق، ولكنهم لم يكونوا على دراية كبيرة بخفايا السياسة ودهاليزها وحقارة الأنظمة الاستعمارية وأطماعها، ليس فقط في سرقة مقدرات البلاد، ولكن في إخضاع البلاد والعباد لهم وتقسيمهم بحيث لا تقوم لهم قائمة بعد ذلك...
السياسة الإنجليزية كانت غاية في الدهاء والخبث، لك أن تتخيل أنها جعلت من يريد الحرية يسعى في المساهمة في احتلال جديد وهو لا يدري.
كان الشريف حسين ومن معه من الشرفاء العرب يسعون للحرية لوطن وخلافة عربية في أحلامهم، ورفض التنازل ودفع الثمن نفيًا في نهاية حياته.
في تلك الفترة كان هناك العديد من زعماء القبائل في الجزيرة وغيرهم، ولديهم أطماع ويتفاوتون في درجة فهمهم وولائهم واستعدادهم للتنازل، وقد استغل الاستعمار الإنجليزي والفرنسي هذا بقوة...
ولذلك لا بد دائمًا من الفهم والوعي وبناء الإنسان قبل العمل، لأن الثمن في حال عدم وجودهم كبير.
دور الهاشميين تجاه المقدسات والأرض العربية كان واضحًا منذ البداية، ودفع الشريف حسين برجولة ثمن هذا الموقف ومات في منفاه.
ما أدين به أن الشريف حسين تم التغرير به من قبل الإنجليز، وأنه كان يسعى لتوحيد الأمة العربية تحت راية واحدة.
فقد كتب من منفاه: لا أقبل إلا أن تكون فلسطين لأهلها العرب، ولا أقبل التجزئة، ولا أقبل بالانتداب، ولا أسكت وفي عروقي دم عربي عن مطالبة الحكومة البريطانية بالوفاء بالعهود التي قطعتها للعرب.
ولكن كيف تعرف الأمانة والصدق والوفاء بالعهود الطريق إلى الإنجليز؟
وإذا شئت، اسأل التاريخ الإيرلندي أو الصيني أو الهندي أو باقي الدول التي وقعت تحت حكم هذه الفئة عنهم.
أخبر مكماهون الشريف حسين بأنه سيكون للعرب وطن واحد يشمل فلسطين.
وأخبر روزفلت عبد العزيز بن سعود بأن الحل في فلسطين لن يكون على حساب العرب.
وأخبر تشرشل عبدالله الأول بأنه إذا تمكن من تثبيت الأمن في شرق الأردن، سيتم توحيد سوريا بعد ستة أشهر تحت الحكم العربي الهاشمي في الأردن عام 1921.
وأخبر البريطانيون النقراشي باشا بأنهم لن يسمحوا بامتداد الحرب وتمكين اليهود في فلسطين.
وأخبروا السوريين والعراقيين أيضًا برغبتهم المطلقة بحل النزاع العربي الصهيوني وإنصاف عرب فلسطين.
كل ذلك كان في مقابل التعاون وإخماد الثورات ومساعدة بريطانيا في حربها العالمية، والرضا بأن يكون هناك موطئ قدم لليهود، وبدون التأثير، طبعًا، على ديموغرافية وشكل وحكم المنطقة.
وعود بدولة هنا ودولة هناك وأرض وحكم وأحلام، وفي الواقع تم تقسيم الكعكة بين فرنسا وبريطانيا والصهيونية العالمية. وخرج العرب نتيجة هذا التعاون باستعمار وتقسيم وحلم بالوحدة ضاع بالوعود، وما أشبه وعود الأمس بوعود اليوم.
وكيف استطاعت الأنظمة بعدها طمس هذه الشخصيات العربية وإخفاءها، وأصبح المواطن مجرد دمية في أيدي أنظمة حديثة تسعى لبناء أمجاد وهمية وبطولات مصطنعة على حساب شخصيات تاريخية عاشت في فترات حرجة من تاريخ الأمة.
هناك فرق كبير بين من يحاول فهم المراحل التاريخية من مصادرها الموثوقة، ويضع الأحداث والشخصيات في مكانها الحقيقي حسب معطيات ووثائق، وبين من يحاول فرض تصوره ورأيه بناء على قصص ومرويات شخصية، فيمنح البراءة والخيانة وكأنه شاهد على العصر.
فهل هو حقًا شاهد ودرس وحلل وجمع الوثائق وقابل وتأكد؟
ما أسهل الكلمة وما أثقل وزرها.
وللمزيد، تستطيع العودة إلى كتاب «خط في الرمال» لجيمس بار و«لعبة الأمم» للدكتور محمد العدوان.
إبراهيم أبو حويله...




