شريط الأخبار
بعد العواملة .. الصويص تحصد جائزة إيمي التلفزيونية السير: كثافة مرورية على طريقي صويلح إلى الثامن والمطار باتجاه السابع الأميرة سمية تبحث ووزيرة التربية اللبنانية تعزيز التعاون الأكاديمي مَسَارَاتُ التَّعْلِيمِ... التَّخْطِيطُ الْمُحْكَمُ وَالنَّوَاتِجُ الْمُتَوَقَّعَةُ الاستثمار شعارات لا أفعال منظمة التعاون الرقمي تختتم مشاركتها في LEAP 2026 بشراكات ومحطات بارزة في التعاون الرقمي تأخرت في الوصول إلى نفسي حين يصبح الدفع الإلكتروني أغلى.. ظاهرة تستدعي الرقابة #التوجيهي ثلاث سنوات والامتحان الكتروني👏 اردنيون يرصدون اعتراضات في سماء المملكة مسؤول أميركي: الضربات على أهداف إيرانية مستمرة وكالة تسنيم: الجيش الأميركي استهدف ناقلة نفط إيرانية قرب جزيرة خارك إسرائيل تغلق القنصلية البريطانية في القدس ردا على العقوبات على المستوطنات معهد السياسة والمجتمع يدعو إلى تحويل الأردن إلى مركز إقليمي متكامل للتجارة الصفدي: على الحكومة الإسرائيلية أن تواجه عواقب انتهاكاتها مسؤولون: الجيش الأمريكي استهدف ناقلات نفط إيرانية الأمن السيبراني: تطبيق "سند" آمن سيبرانيا ويخضع لفحوص دقيقة انفجارات في جزيرة خارك ومدينة جاسك جنوب إيران عطية: ممارسات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية تقوّض قيام الدولة الفلسطينية بن غفير ينتقد احتمال استبعاده من حكومة وحدة: استهزاء بالناخبين اليمينيين

مَسَارَاتُ التَّعْلِيمِ... التَّخْطِيطُ الْمُحْكَمُ وَالنَّوَاتِجُ الْمُتَوَقَّعَةُ

مَسَارَاتُ التَّعْلِيمِ... التَّخْطِيطُ الْمُحْكَمُ وَالنَّوَاتِجُ الْمُتَوَقَّعَةُ
مَسَارَاتُ التَّعْلِيمِ... التَّخْطِيطُ الْمُحْكَمُ وَالنَّوَاتِجُ الْمُتَوَقَّعَةُ

القلعة نيوز - بقلم: أستاذ مشارك محمد حرب بشير اللصاصمة عميد كلية اللغات وعلومها

مِنْ عَشْوَائِيَّةِ الْقَرَارِ إِلَى هَنْدَسَةِ الْمَسَارِ: كَيْفَ نَجْعَلُ التَّعْلِيمَ يَعْرِفُ أَيْنَ يَبْدَأُ وَإِلَى أَيْنَ يَصِلُ؟
لَيْسَ أَخْطَرَ عَلَى التَّعْلِيمِ مِنْ مَسَارٍ يَسِيرُ بِدُونِ خَرِيطَةٍ، وَلَا أَكْثَرَ كُلْفَةً عَلَى الْمُجْتَمَعِ مِنْ سَنَوَاتٍ دِرَاسِيَّةٍ تُنْفَقُ، وَمَوَارِدَ تُسْتَثْمَرُ، وَطَاقَاتٍ بَشَرِيَّةٍ تُسَخَّرُ، ثُمَّ نَكْتَشِفُ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ النَّاتِجَ التَّعْلِيمِيَّ لَمْ يَكُنْ فِي مُسْتَوَى التَّوَقُّعَاتِ.
مِنْ هُنَا تَبْدَأُ الْقَضِيَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ: التَّعْلِيمُ النَّاجِحُ لَا يَتْرُكُ مَسَارَهُ لِلصُّدْفَةِ، وَلَا يَبْنِي نَوَاتِجَهُ عَلَى الْأَمَلِ، بَلْ يُهَنْدِسُ طَرِيقَهُ بِوَعْيٍ، وَيُحَدِّدُ غَايَاتِهِ بِدِقَّةٍ، وَيَرْبِطُ كُلَّ خُطْوَةٍ بِمَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَقَّقَ فِي النِّهَايَةِ.
فَالتَّخْطِيطُ التَّعْلِيمِيُّ لَيْسَ وَثِيقَةً إِدَارِيَّةً تُعَدُّ لِلتَّعَامُلِ مَعَ الْمُؤَسَّسَاتِ وَالْجِهَاتِ الرَّقَابِيَّةِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ الْمِنْطَقُ الَّذِي يَنْظُمُ الْعَمَلِيَّةَ التَّعْلِيمِيَّةَ مِنْ أَوَّلِ سُؤَالٍ إِلَى آخِرِ نَاتِجٍ.
الْبِدَايَةُ الصَّحِيحَةُ: لَيْسَ مَاذَا سَنُدَرِّسُ؟
بَلْ لِمَاذَا نُدَرِّسُ؟
كَثِيرًا مَا يَبْدَأُ بِنَاءُ الْمَنْهَجِ أَوْ الْبَرْنَامَجِ بِقَائِمَةٍ مِنَ الْمَوْضُوعَاتِ وَالْمُقَرَّرَاتِ، ثُمَّ تُبْنَى الْأَنْشِطَةُ وَالِاخْتِبَارَاتُ عَلَى مَا تَمَّ تَقْرِيرُهُ سَلَفًا. وَلَكِنَّ التَّخْطِيطَ الرَّشِيدَ يَعْكِسُ الْمَعَادَلَةَ.
فَالْمَسَارُ الْفَاعِلُ يَبْدَأُ مِنْ سُؤَالٍ جَوْهَرِيٍّ: مَاذَا نُرِيدُ أَنْ يُصْبِحَ عَلَيْهِ الْمُتَعَلِّمُ بَعْدَ أَنْ يَمْضِيَ فِي هَذَا الْمَسَارِ؟
وَمِنْ هَذَا السُّؤَالِ تَنْبَثِقُ النَّوَاتِجُ، ثُمَّ تَنْبَنِي عَلَيْهَا الْمَحْتَوَيَاتُ، وَاسْتِرَاتِيجِيَّاتُ التَّدْرِيسِ، وَالْخِبْرَاتُ التَّعَلُّمِيَّةُ، وَأَدَوَاتُ التَّقْوِيمِ.
وَهَذَا مَا يَجْعَلُ الْمَنْهَجَ نَسَقًا مُتَرَابِطًا، لَا مَجْمُوعَةً مِنَ الْعَنَاصِرِ الْمُجَاوِرَةِ لِبَعْضِهَا بَعْضًا.
إِنَّ الْخَطَأَ الَّذِي تَقَعُ فِيهِ بَعْضُ الْمَشْرُوعَاتِ التَّعْلِيمِيَّةِ هُوَ أَنَّهَا تَسْأَلُ: «مَا الْمُقَرَّرُ الَّذِي سَنُضِيفُهُ؟» قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَ: «مَا النَّاتِجُ الَّذِي نُرِيدُ أَنْ نَصِلَ إِلَيْهِ؟».
وَالْفَرْقُ بَيْنَ السُّؤَالَيْنِ لَيْسَ لَفْظِيًّا، بَلْ هُوَ فَرْقٌ بَيْنَ إِدَارَةِ الْمُحْتَوَى وَهَنْدَسَةِ التَّعَلُّمِ.
النَّوَاتِجُ الْمُتَوَقَّعَةُ... وَعْدٌ يَجِبُ أَنْ يُقَاسَ إِذَا كَانَ التَّخْطِيطُ هُوَ خَرِيطَةَ الطَّرِيقِ، فَإِنَّ نَوَاتِجَ التَّعَلُّمِ هِيَ الْمَعَالِمُ الَّتِي تُثْبِتُ أَنَّ الْمَسَارَ قَدْ وَصَلَ إِلَى غَايَتِهِ.
لِذَلِكَ، لَا يَكْفِي أَنْ نَقُولَ: «نُرِيدُ طَالِبًا مُبْدِعًا»، أَوْ «نُرِيدُ مُتَعَلِّمًا نَاقِدًا»، أَوْ «نُرِيدُ خَرِّيجًا قَادِرًا عَلَى حَلِّ الْمُشْكِلَاتِ».
هَذِهِ غَايَاتٌ مُهِمَّةٌ، لَكِنَّهَا تَظَلُّ عَامَّةً مَا لَمْ تُحَوَّلْ إِلَى نَوَاتِجَ قَابِلَةٍ لِلْمُلَاحَظَةِ وَالْقِيَاسِ وَالتَّقْوِيمِ.
فَالنَّاتِجُ التَّعْلِيمِيُّ الْحَقِيقِيُّ يَجِبُ أَنْ يُجِيبَ عَنْ أَسْئِلَةٍ وَاضِحَةٍ: مَاذَا سَيَعْرِفُ الْمُتَعَلِّمُ؟
مَاذَا سَيَفْهَمُ؟
مَاذَا سَيَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْعَلَ؟
كَيْفَ سَيُوَظِّفُ مَا تَعَلَّمَهُ فِي مَوْقِفٍ جَدِيدٍ؟
وَكَيْفَ سَنَعْرِفُ أَنَّهُ حَقَّقَ هَذَا النَّاتِجَ فِعْلًا؟
وَهُنَا يَنْتَقِلُ التَّعْلِيمُ مِنْ لُغَةِ النَّوَايَا إِلَى لُغَةِ الدَّلِيلِ.
مِنْ خُطَّةٍ جَيِّدَةٍ إِلَى نِظَامٍ مُتَّسِقٍ التَّخْطِيطُ الْمُحْكَمُ لَا يَعْنِي كَثْرَةَ الْوَرَقِ، وَلَا طُولَ الْخُطَطِ، وَلَا تَعَدُّدَ الْجَدَاوِلِ وَالْمُؤَشِّرَاتِ.
قِيمَةُ الْخُطَّةِ فِي اتِّسَاقِ أَجْزَائِهَا.
فَالْغَايَاتُ يَجِبُ أَنْ تَنْسَجِمَ مَعَ النَّوَاتِجِ، وَالنَّوَاتِجُ مَعَ الْمَحْتَوَى، وَالْمَحْتَوَى مَعَ طَرَائِقِ التَّدْرِيسِ، وَطَرَائِقُ التَّدْرِيسِ مَعَ التَّقْوِيمِ.
وَإِذَا انْقَطَعَتْ هَذِهِ السِّلْسِلَةُ، نَشَأَتْ فَجْوَةٌ يَصْعُبُ عَلَى الْمُؤَسَّسَةِ إِدَارَتُهَا.
قَدْ تَضَعُ مُؤَسَّسَةٌ نَوَاتِجَ تَعَلُّمٍ تَسْتَهْدِفُ التَّفْكِيرَ النَّقْدِيَّ، ثُمَّ تُقَيِّمُ طُلَّابَهَا بِأَسْئِلَةٍ تَقِيسُ الْحِفْظَ فَقَطْ.
وَقَدْ تُعْلِنُ أَهْدَافًا لِبِنَاءِ مَهَارَاتِ التَّطْبِيقِ وَالِابْتِكَارِ، ثُمَّ يَبْقَى التَّدْرِيسُ قَائِمًا عَلَى الْمُحَاضَرَةِ وَالِاسْتِظْهَارِ.
فَأَيْنَ الْخَلَلُ؟
الْخَلَلُ لَيْسَ فِي الْهَدَفِ وَلَا فِي الطَّالِبِ، بَلْ فِي انْقِطَاعِ الِاتِّسَاقِ بَيْنَ مَا نَقُولُ إِنَّنَا نُرِيدُهُ، وَمَا نُدَرِّسُهُ، وَمَا نَقِيسُهُ.
الْمَسَارُ التَّعْلِيمِيُّ لَا يَنْتَهِي عِنْدَ بَابِ الْجَامِعَةِ فِي زَمَنٍ سَرِيعِ التَّغَيُّرِ، لَمْ يَعُدْ كَافِيًا أَنْ تَكُونَ الْخُطَّةُ صَالِحَةً لِلْيَوْمِ فَقَطْ.
التَّخْطِيطُ الرَّشِيدُ هُوَ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ، وَيُحَاوِلُ أَنْ يَسْبِقَ التَّحَوُّلَ، لَا أَنْ يَنْتَظِرَهُ ثُمَّ يَسْتَجِيبَ لَهُ.
وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الْمَسَارَ التَّعْلِيمِيَّ يَجِبُ أَنْ يَبْنِي لَدَى الْمُتَعَلِّمِ قُدْرَاتٍ تَبْقَى صَالِحَةً حِينَ تَتَغَيَّرُ الْمَعْلُومَاتُ وَالْأَدَوَاتُ وَالْمِهَنُ.
مِنْ هُنَا تَظْهَرُ أَهَمِّيَّةُ مَهَارَاتٍ مِثْلَ التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ، وَحَلِّ الْمُشْكِلَاتِ، وَالتَّعَلُّمِ الذَّاتِيِّ، وَالِاتِّصَالِ، وَالتَّعَاوُنِ، وَالْإِبْدَاعِ، وَالْمَرُونَةِ الْمَعْرِفِيَّةِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّعَامُلِ الْوَاعِيِ مَعَ التِّقْنِيَةِ وَالذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ.
فَمَنْهَجُ الْغَدِ لَا يَجِبُ أَنْ يُعَلِّمَ الطَّالِبَ مَا يَعْرِفُهُ الْعَالَمُ الْيَوْمَ فَقَطْ، بَلْ مَا يَجْعَلُهُ قَادِرًا عَلَى تَعَلُّمِ مَا سَيَظْهَرُ غَدًا.
مِنْ «النَّاتِجِ الْمُتَوَقَّعِ» إِلَى «النَّاتِجِ الْمُتَحَقِّقِ» هُنَا تَظْهَرُ أَهَمُّ قَاعِدَةٍ فِي التَّخْطِيطِ التَّعْلِيمِيِّ: لَا قِيمَةَ لِنَاتِجٍ مُعْلَنٍ مَا لَمْ يَكُنْ نَاتِجًا مُتَحَقِّقًا.
فَالْفَرْقُ كَبِيرٌ بَيْنَ أَنْ تُكْتَبَ الْمَهَارَةُ فِي وَثِيقَةِ الْبَرْنَامَجِ، وَأَنْ تَظْهَرَ فِي أَدَاءِ الْخَرِّيجِ. وَالْفَرْقُ أَكْبَرُ بَيْنَ أَنْ نَدَّعِي أَنَّ الْمَنْهَجَ يُنَمِّي الْقُدْرَةَ عَلَى الِابْتِكَارِ، وَأَنْ نَقْدِرَ بِالدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الطَّالِبَ قَدْ أَصْبَحَ أَكْثَرَ قُدْرَةً عَلَى إِنْتَاجِ الْأَفْكَارِ وَتَطْبِيقِهَا.
وَلِذَلِكَ يَصِيرُ التَّقْوِيمُ جُزْءًا مِنْ هَنْدَسَةِ الْمَسَارِ، لَا مَرْحَلَةً تَأْتِي فِي نِهَايَتِهِ.
فَالْمُؤَسَّسَةُ الَّتِي تُقَوِّمُ بِنَايَاتِ الْمَنْهَجِ، وَتَرْصُدُ مُؤَشِّرَاتِ التَّقَدُّمِ، وَتُرَاجِعُ أَدِلَّةَ التَّعَلُّمِ، تَمْتَلِكُ فُرْصَةً حَقِيقِيَّةً لِلتَّحْسِينِ الْمُسْتَمِرِّ.
أَمَّا الْمُؤَسَّسَةُ الَّتِي تَنْتَظِرُ حَتَّى نِهَايَةِ الْبَرْنَامَجِ لِتَسْأَلَ: «هَلْ نَجَحْنَا؟»
فَقَدْ تَكُونُ قَدْ أَضَاعَتْ سَنَوَاتٍ مِنْ فُرَصِ التَّصْحِيحِ.
التَّخْطِيطُ الْمُرِنُ... لَا التَّخْطِيطُ الْجَامِدُ وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُحْكَمَ لَا يَعْنِي الْجَامِدَ.
فَالْخُطَّةُ الْجَيِّدَةُ هِيَ الَّتِي تَمْتَلِكُ وَجْهَةً وَاضِحَةً، وَلَكِنَّهَا تَمْلِكُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ قُدْرَةً عَلَى التَّكَيُّفِ.
لَا يَجِبُ أَنْ نُقَدِّسَ الْخُطَطَ بِدَرَجَةٍ تَمْنَعُ مُرَاجَعَتَهَا، وَلَا أَنْ نُغَيِّرَهَا بِصُورَةٍ عَشْوَائِيَّةٍ تَفْقِدُهَا هُوِيَّتَهَا.
الْمَطْلُوبُ هُوَ ثَبَاتٌ فِي الْغَايَاتِ، وَمَرُونَةٌ فِي الْوَسَائِلِ. فَالْغَايَاتُ الْكُبْرَى قَدْ تَبْقَى رَاسِخَةً: بِنَاءُ الْإِنْسَانِ، وَتَنْمِيَةُ قُدْرَتِهِ، وَإِعْدَادُهُ لِلْحَيَاةِ وَالْعَمَلِ وَالْمُوَاطَنَةِ.
أَمَّا الْمُحْتَوَى وَالأَدَوَاتُ وَالطَّرَائِقُ وَبَعْضُ مَسَارَاتِ التَّنْفِيذِ، فَلَا بُدَّ أَنْ تَبْقَى قَابِلَةً لِلتَّحْدِيثِ.
الْخَرِّيجُ هُوَ «الْمَخْرَجُ الْحَقِيقِيُّ» لِكُلِّ خُطَّةٍ فِي النِّهَايَةِ، لَا يَنْبَغِي أَنْ نَحْكُمَ عَلَى نَجَاحِ أَيِّ مَسَارٍ تَعْلِيمِيٍّ بِعَدَدِ مُقَرَّرَاتِهِ، أَوْ حَجْمِ خُطَّتِهِ، أَوْ كَثْرَةِ سَاعَاتِهِ الدِّرَاسِيَّةِ.
السُّؤَالُ الأَكْبَرُ هُوَ: مَنْ هُوَ الْخَرِّيجُ الَّذِي أَنْتَجَهُ هَذَا الْمَسَارُ؟
هَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَعَلَّمَ مُسْتَقِلًّا؟
هَلْ يُحْسِنُ التَّفْكِيرَ قَبْلَ أَنْ يُصْدِرَ الْحُكْمَ؟
هَلْ يَسْتَطِيعُ تَطْبِيقَ مَا تَعَلَّمَهُ فِي سِيَاقَاتٍ جَدِيدَةٍ؟
هَلْ يَمْلِكُ قُدْرَةً عَلَى الِابْتِكَارِ وَالتَّكَيُّفِ؟
هَلْ يَسْتَخْدِمُ التِّقْنِيَةَ بِوَعْيٍ وَمَسْؤُولِيَّةٍ؟
هَلْ يَمْلِكُ مَا يَجْعَلُهُ قَادِرًا عَلَى مُوَاجَهَةِ مُسْتَقْبَلٍ لَا نَعْرِفُ تَفَاصِيلَهُ بَعْدُ؟
إِذَا كَانَتِ الْإِجَابَةُ نَعَمْ، فَقَدْ اقْتَرَبَ الْمَسَارُ مِنْ غَايَتِهِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ الْخَرِّيجُ يَحْمِلُ شَهَادَةً وَلَا يَحْمِلُ قُدْرَةً، وَيَمْتَلِكُ مَعْلُومَاتٍ وَلَا يَمْتَلِكُ قَابِلِيَّةَ تَوْظِيفِهَا، فَإِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نُعِيدَ النَّظَرَ فِي الْمَسَارِ مِنْ جُذُورِهِ.
خَاتِمَةٌ: لِنُخَطِّطْ لِمَا نُرِيدُ أَنْ نَرَاهُ فِي الْإِنْسَانِ إِنَّ أَزْمَةَ كَثِيرٍ مِنْ مَسَارَاتِ التَّعْلِيمِ لَيْسَتْ أَزْمَةَ نَوَايَا، بَلْ أَزْمَةَ هَنْدَسَةٍ وَاتِّسَاقٍ وَقِيَاسٍ. فَقَدْ نُحْسِنُ صِيَاغَةَ الْأَهْدَافِ، وَلَكِنَّنَا نَفْشَلُ فِي تَحْوِيلِهَا إِلَى نَوَاتِجَ وَاضِحَةٍ.
وَقَدْ نُحْسِنُ بِنَاءَ الْمُقَرَّرَاتِ، وَلَكِنَّنَا نَضْعُفُ فِي رَبْطِهَا بِمَا يَحْتَاجُهُ الْمُتَعَلِّمُ.
وَقَدْ نُكْثِرُ مِنَ الِامْتِحَانَاتِ، وَلَكِنَّنَا لَا نَقِيسُ دَائِمًا مَا نَدَّعِي أَنَّنَا نُرِيدُ قِيَاسَهُ.
لِذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ الْيَوْمَ هُوَ الِانْتِقَالُ مِنْ «تَخْطِيطِ التَّعْلِيمِ» إِلَى «هَنْدَسَةِ مَسَارَاتِ التَّعَلُّمِ»؛ أَيْ أَنْ نَبْدَأَ مِنَ النَّاتِجِ الَّذِي نُرِيدُهُ، ثُمَّ نَبْنِي لَهُ الطَّرِيقَ، وَنُوَفِّرُ لَهُ الْبِيئَةَ، وَنَقِيسُ مَدَى تَحَقُّقِهِ، وَنُرَاجِعُ مَسَارَهُ بِنَاءً عَلَى الْأَدِلَّةِ.
فَالتَّعْلِيمُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ نَوَاتِجَهُ، قَدْ يَكُونُ كَسَفِينَةٍ كَثِيرَةِ الْحَرَكَةِ قَلِيلَةِ الِاتِّجَاهِ.
أَمَّا التَّعْلِيمُ الَّذِي يَبْدَأُ مِنْ غَايَةٍ وَاضِحَةٍ، وَيَسِيرُ فِي مَسَارٍ مُحْكَمٍ، وَيَرْبِطُ كُلَّ مَرْحَلَةٍ بِنَاتِجٍ قَابِلٍ لِلْقِيَاسِ، وَيَرْجِعُ إِلَى الْأَدِلَّةِ لِتَصْحِيحِ مَسَارِهِ، فَهُوَ تَعْلِيمٌ لَا يَنْتَظِرُ الْمُسْتَقْبَلَ، بَلْ يُهَيِّئُ الْإِنْسَانَ لِصِنَاعَتِهِ.
وَهُنَا يَبْلُغُ التَّخْطِيطُ التَّعْلِيمِيُّ أَرْقَى مَعَانِيهِ: أَنْ نَكُفَّ عَنْ سُؤَالِ «مَاذَا سَنُدَرِّسُ؟»
وَنَبْدَأَ بِسُؤَالٍ أَعْمَقَ: «أَيَّ إِنْسَانٍ نُرِيدُ أَنْ نَبْنِيَ، وَمَا الْمَسَارُ الْأَمْثَلُ لِنُحَقِّقَ ذَلِكَ؟»
وَمِنْ هَذَا السُّؤَالِ تَبْدَأُ هَنْدَسَةُ التَّعْلِيمِ الْحَقِيقِيَّةُ.