الدكتور نسيم أبو خضير
نعم وبكل فخر إننا نثَمِّن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ، وندعو الأردنيين إلى تحويل رسالته إلى واقع .
إننا نثمن بأسمى عبارات الإعتزاز والفخر ، خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين ، حفظه الله ورعاه ، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك ، ذلك الخطاب الذي لم يكن مجرد كلمة أُلقيت على مسامع العالم ، وإنما كان صوت الأردن العربي الهاشمي ، وضمير الأمة ، وصرخة حق في وجه عالمٍ أنهكته الحروب ، وأثقلته المآسي ، وتراجعت فيه هيبة القانون الدولي أمام مشاهد الظلم والعدوان .
لقد تحدث جلالة الملك من منبر العالم بلغة واضحة ، شجاعة ، ومسؤولة ، حمل فيها قضية فلسطين ، وحقوق الشعب الفلسطيني ، ومعاناة أهل غزة ، وما يجري في الضفة الغربية والقدس ، ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية ، مؤكدًا أن إستمرار الظلم لا يمكن أن يصنع أمنًا ، وأن السلام الحقيقي لا يقوم إلا على العدالة والحقوق والشرعية الدولية .
ولم يكن اللافت في خطاب جلالته ما قيل فحسب ، وإنما كيف قيل ، ومن أي موقع قيل ، فقد تحدث قائد عربي هاشمي يحمل إرثًا تأريخيًا ثراً جذوره ضاربة في أعماق التأريخ في الدفاع عن القدس والمقدسات ، ويؤمن بأن الحوار والسلام والإعتدال ليست شعارات سياسية ، وإنما قيم إنسانية لا تستقيم الحياة الدولية من دونها .
ومن هنا ، فإننا لا نريد أن يكون خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين اليوم مجرد إشادة بخطاب جلالته ، وإنما نريد أن نطرح السؤال الأهم :
ماذا سنفعل نحن بما قاله جلالة الملك ؟
فالكلمات العظيمة قيمتها ليس في جمالها ، وإنما في قدرتها على صناعة الفعل .
إلى الشعب الأردني …
لا تجعلوا خطاب جلالة الملك مادة للنشر على وسائل التواصل الإجتماعي لساعات ، ثم يعود كل شيء إلى ما كان عليه .
إقرؤوا الخطاب ، وتدبروا مضامينه ، وأفهموا رسائله ، وأجعلوا منه درسًا في الوطنية ، والوعي ، والإعتدال ، والمسؤولية .
لقد تحدث جلالة الملك باسم الأردن أمام العالم ، وحمل قضايا أمته ، ودافع عن الحق والعدل ، ولذلك فإن أقل ما يمكن أن نقدمه لوطننا هو أن نحول هذه الرسالة إلى سلوك يومي ، وإخلاص في العمل ، وإحترام للقانون ، وتمسك بالوحدة الوطنية ، ورفض للكراهية والتطرف والإنقسام .
وإلى جامعاتنا …
إن خطاب الملك يجب ألا يبقى بعيدًا عن قاعات المحاضرات ومدرجات الجامعات .
نريد أن يصبح هذا الخطاب مادة للحوار والتحليل والبحث العلمي ، وأن تسأل جامعاتنا أبناءها :
كيف نبني الأردن القادر على مواجهة عالم سريع التغير ؟
كيف ننتقل من التعليم إلى صناعة المعرفة ؟
كيف نُخرّج إنسانًا يمتلك العلم والمهارة والقدرة على التفكير والتحليل والحوار والإبداع ؟
فالجامعة ليست مكانًا لمنح الشهادات فقط ، وإنما هي مصنع للعقول ، وحاضنة للوعي ، ومختبر لصناعة المستقبل .
وإذا كان العالم يتغير ، فلا يجوز أن تبقى بعض أساليب التعليم والإدارة الجامعية أسيرة الماضي .
وإلى مدارسنا ومعلمينا …
من هنا تبدأ صناعة الأردن الذي تحدث عنه جلالة الملك .
فالطفل الذي يجلس اليوم على مقعد الدراسة هو المسؤول والطبيب والمهندس والمعلم والداعية والإعلامي والقائد غدًا .
علّموا أبناءنا أن الوطن ليس كلمة تُقال ، وإنما أمانة تُؤدّى .
علّموهم الحوار بدل الخصومة ، والإختلاف دون كراهية ، والإعتدال دون تردد ، والإنتماء دون تعصب ، والعمل دون إنتظار للمكافأة .
علّموهم أن الأردن لا يحميه الكلام وحده ، وإنما يحميه العلم والأخلاق والإنتاج والوعي والإنتماء .
وإلى مسؤولي الدولة الأردنية …
هنا تقع المسؤولية الأكبر .
إن خطاب جلالة الملك يجب أن يصل إلى مكاتب المسؤولين لا بإعتباره خطابًا للإستماع ، وإنما منهجًا للعمل .
المسؤولية ليست كرسيًا ، ولا لقبًا ، ولا وجاهة ، ولا حضورًا في المناسبات .
المسؤولية هي أن تفتح بابك للمواطن ، وأن تسمع شكواه ، وأن تحترم وقته ، وأن تنجز معاملته ، وأن تحارب الواسطة والمحسوبية ، وأن تصون المال العام ، وأن تضع الكفاءة في مكانها ، وأن تجعل مصلحة الوطن فوق كل إعتبار .
لا يكفي أن نقول إننا خلف الملك ، ثم لا نترجم رؤيته إلى أداء .
فالوقوف خلف القيادة لا يكون بالتصفيق فقط ، وإنما بالعمل الذي يليق بالوطن وبالرسالة التي يحملها جلالة الملك إلى العالم .
وإلى وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية …
إن المسؤولية لا تقع على الجامعات والمدارس ومؤسسات الدولة ، ووسائل الإعلام وحدها ، بل إن وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية أمام مسؤولية كبيرة في إيصال مضامين خطاب جلالة الملك ورسائله السامية إلى المساجد والمنابر ، وإلى كل بيت أردني .
فالخطيب والإمام والداعية ليسوا مجرد ناقلين للمعلومة ، وإنما هم صُنّاع وعي ، وحَمَلة رسالة ، ومؤثرون في وجدان المجتمع .
ومن هنا ، فإن من المهم أن تكون مضامين خطاب جلالة الملك ، وما حمله من دعوة إلى السلام ، والعدالة ، ونبذ الكراهية ،ه ورفض التطرف ، وحماية المقدسات ، والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني ، وترسيخ قيم التعايش والحوار ، حاضرة في خطب الجمعة والدروس والندوات والمحاضرات الدينية ، بما يعزز الوعي الوطني والديني لدى المواطنين ، ويُحصّن المجتمع من خطاب الكراهية والتطرف والإنقسام .
إن المنبر الذي إعتاد الأردنيون أن يسمعوا منه كلمة الحق ، قادر على أن يحوّل رسائل جلالة الملك إلى وعي ديني راسخ وسلوك مجتمعي إيجابي ، وأن يشرح للناس أن الإسلام دين سلام ورحمة وعدل ، وأن الإختلاف بين الشعوب والأديان لا يبرر القتل أو الظلم أو الكراهية .
وليس المطلوب أن تتحول المساجد إلى منابر سياسية ، وإنما أن تقوم رسالتها الدينية والوطنية على ترسيخ القيم التي دعا إليها جلالة الملك : الرحمة ، والعدل ، والتعايش ، وإحترام الإنسان ، ونبذ العنف ، ورفض التطرف ، وصون الوطن وأمنه وإستقراره .
وإلى إعلامنا الأردني …
وهنا تقع مسؤولية لا تقل أهمية عن مسؤولية المدرسة والجامعة والمسجد .
لقد تحدث جلالة الملك من نيويورك إلى العالم ، وحمل رسالة الأردن العربي الهاشمي إلى المجتمع الدولي ، داعيًا إلى العدالة والسلام ، ومحذرًا من إستمرار الحروب والصراعات ، ومؤكدًا أن الأمن الحقيقي لا يمكن أن يقوم على الظلم والقوة وحدهما ، وإنما على الحق ، والشرعية ، والحوار ، وإحترام الإنسان .
ومن واجب الإعلام الأردني أن يحمل هذه الرسالة إلى العالم ، لا أن يكتفي بتغطية الخطاب بإعتباره حدثًا إخباريًا ينتهي بانتهاء البث .
نريد من إعلامنا أن يقرأ خطاب جلالة الملك ، ويحلله ، ويشرح مضامينه ، ويترجم رسائله إلى لغة يفهمها العالم .
نريد برامج وحوارات ومواد إعلامية تشرح للرأي العام الدولي والمحلي مواقف الأردن ، وتبرز رسالته في الدفاع عن السلام ، والتعايش بين الأديان ، ورفض التطرف والكراهية ، ودعم حقوق الشعب الفلسطيني ، وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس ، وتأكيد أن الأردن دولة تؤمن بأن الحوار والدبلوماسية والقانون الدولي هي الطريق إلى الأمن والإستقرار .
كما أن على الإعلام الأردني أن يواجه الصورة المشوهة التي تحاول بعض الخطابات تقديمها عن المنطقة والإسلام والعرب ، وأن يبرز للعالم الصورة الحقيقية للأردن : دولة إعتدال ، ودولة حوار ، ودولة سلام ، ودولة تحترم الإنسان وتدافع عن حقوقه .
فالإعلام اليوم لم يعد مجرد ناقل للأحداث ، إنه سفير للدولة ، وصانع للرأي العام ، وجسر بين الشعوب .
وإذا كان جلالة الملك قد حمل رسالة الأردن إلى العالم من منبر الأمم المتحدة ، فإن الإعلام الأردني مطالب بأن يحمل هذه الرسالة إلى كل شاشة ، وكل منصة ، وكل لغة ، وكل جمهور يستطيع الوصول إليه .
منبر الملك في نيويورك يجب أن يتعدد في الأردن .
وهنا تلتقي أدوار الجميع :
وزارة الأوقاف تنقل قيم الخطاب إلى المنابر والدروس ،
المدرسة تحوّلها إلى تربية ووعي ،
الجامعة تجعلها موضوعًا للبحث والحوار ،
الإعلام يحملها إلى الأردن والعالم ،
ومؤسسات الدولة تترجمها إلى أداء وسياسات وممارسات ،
والمواطن يحولها إلى سلوك يومي .
وهكذا فقط لا يبقى خطاب جلالة الملك كلمات قيلت في نيويورك ، بل يصبح رسالة أردنية ممتدة من عمّان إلى العالم ، ومن المسجد إلى المدرسة ، ومن الجامعة إلى الإعلام ، ومن مؤسسات الدولة إلى حياة المواطن .
فجلالة الملك قال كلمته للعالم ، وحان دورنا نحن أن نجعل العالم يرى هذه الكلمة في أفعالنا .
وفي قضية فلسطين …
أكد جلالة الملك أن القضية الفلسطينية ليست قضية يمكن تجاوزها أو تأجيلها إلى ما لا نهاية ، وأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق من دون العدالة ، ومن دون قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على أساس حل الدولتين .
كما أكد جلالته أن القضية ليست حربًا بين الأديان ، وأن حماية المقدسات والوجود المسيحي في الأرض المقدسة ، والدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام ، هي مسؤولية أخلاقية وإنسانية ، وهو موقف يلتقي في جوهره مع رسالة الوسطية والإعتدال والتعايش التي يحمل يؤمن بها الأردن ويحمل لواءها .
لقد كان الأردن ، وسيبقى ، صوتًا للعقل والحوار والإعتدال ، ورافضًا لتحويل الصراعات السياسية إلى صراعات دينية ، أو تحويل الإختلاف إلى كراهية ، أو الدين إلى أداة للتحريض والعنف .
أما أمن الأردن … فهو خط أحمر
لقد أكد جلالة الملك أن أمن الأردن ومصالحه ومياهه وحدوده ليست موضع مساومة ، وأن الأردن يعرف كيف يحمي مصالحه الوطنية ، ويصون أمنه وإستقراره .
وهذه الرسالة لا ينبغي أن تصل إلى الخارج فقط ، بل يجب أن تصل إلى كل أردني في الداخل :
الأردن أمانة .
وأمنه وإستقراره ليسا مسؤولية الجيش العربي والأجهزة الأمنية وحدها ، مع إعتزازنا الكبير برجالها ، وإنما مسؤولية كل مواطن في موقعه .
المعلم يحمي الأردن بعلمه ، والطبيب بإنسانيته ، والمهندس بإتقانه ، والعامل بإخلاصه ، والمزارع بأرضه ، والطالب بعلمه ، والإعلامي بمسؤوليته ، والمسؤول بعدله ، والأب والأم بتربية أبنائهما على حب الوطن والإنتماء له والولاء لقيادته .
أيها الأردنيون …
لقد وقف جلالة الملك في نيويورك ، وحملت كلماته إسم الأردن وقضاياه ومواقفه وثوابته إلى العالم .
فلا تجعلوا خطاب الملك ينتهي بانتهاء التصفيق .
ولا تجعلوا كلماته مجرد عبارات تُقتطع وتُنشر .
إشربوا من روح الخطاب ، لا من حروفه فقط .
إشربوا منه الإعتدال ، والكرامة ، والثبات ، والشجاعة ، والوعي ، والدبلوماسية ، والتمسك بالحق ، والحرص على الأردن ، والدفاع عن فلسطين ، والإيمان بأن القوة الحقيقية لا تكون بالعدوان ، وإنما بالحق والشرعية والقانون والإنسان .
إن جلالة الملك قال كلمته أمام العالم ، والآن يأتي دورنا جميعًا :
أن نجعل كلمته فعلًا ، وموقفه سلوكًا ، ورؤيته عملًا ، ورسائله منهجًا .
فالأردن الذي تحدث عنه جلالة الملك في نيويورك يجب أن نراه في مدارسنا ، وجامعاتنا ، ووزاراتنا ، ومؤسساتنا ، وميادين عملنا ، وعلى منابر مساجدنا وكنائسنا وفي أخلاقنا وتعاملاتنا اليومية .
هذه ليست لحظة تصفيق … هذه لحظة مسؤولية .
ومن هنا ، فإننا ندعو مؤسسات الدولة ، والجامعات ، والمدارس ، ومؤسسات الإعلام ، والنخب الفكرية والدينية والثقافية ، والشباب الأردني ، وكل أبناء الوطن ، إلى قراءة خطاب جلالة الملك قراءة واعية ، وتحويل مضامينه إلى برامج ومبادرات وحوارات وممارسات تعزز الوعي الوطني ، وتحمي النسيج الإجتماعي ، وتدعم قيم الإعتدال والحوار ، وتبني الإنسان الأردني القادر على مواجهة المستقبل .
حفظ الله الأردن ، وطنًا عزيزًا آمنًا مستقرًا ، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين ، وسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ، وأدام على وطننا راية الهاشميين خفاقة ، وعلى شعبنا وحدته وتماسكه ، وعلى جيشنا العربي وأجهزتنا الأمنية قوتها ومنعتها ، وجعل الأردن دائمًا صوتًا للحق والإعتدال والسلام إنه سميع قريب مجيب الدعاء يارب العالمين .




