شريط الأخبار
أكسيوس: رئيس الموساد الإسرائيلي يلتقي مدير الاستخبارات الأميركية في واشنطن مسؤول: جولة جديدة من محادثات لبنان وإسرائيل في 4 آب المقبل وزارة الداخلية: تسهيلات جديدة للمستثمرين ورجال الأعمال السوريين البدور: الرفض الشعبي للمخدرات كبير بحجم الوطن ولي العهد: سعدت بلقاء شباب يحملون الكثير من الطموح والإصرار عراقجي يثير جدًلا: لم ألتقِ بالمرشد مجتبى خامنئي نائب الملك يلتقي شباب من الكرك ويؤكد الأردن مستمر في الحفاظ على سلامة مواطنيه مستشار العشائر يلتقي شيوخ ووجهاء من إقليم محافظة العاصمة لبحث تطوير الجلوة العشائرية ( فيديو وصور ) عقوق الوطن... حين يبيع الإنسان ظلَّه شركة Gradiant تدعم التوسع البارز في مجال تصنيع أشباه الموصلات في دريسدن الملك يهنئ الرئيس المصري بذكرى ثورة 23 تموز غرفة تجارة هوليوود توسّع أعمالها وتدخل قطاع الضيافة الفاخرة داء السالمونيلا.. الأسباب والأعراض وطرق والوقاية ثورة الوجد تشكيل الأجيال من خلال الحوار: نظرة عن كثب على برنامج سفراء مناظرات الدوحة إبقاء البلدة القديمة للقدس على قائمة التراث المُهدَّد بالخطر .. والأردن يرحب "أتكنز رياليس" و"أليك" تتعاونان لتنفيذ مشروع سفير أبوظبي وترسيان معياراً عالمياً جديداً للتجارب الترفيهية الغامرة طهران ترد على ترامب: لا نسعى للتفاوض مع واشنطن الملك يزور معرض فارنبره الدولي للطيران 2026 في بريطانيا وزير الثقافة ونظيره السوري يبحثان سبل تعزيز العلاقات الثقافية بين البلدين الشقيقين

أبو عاكف.. رجل السيرة بقلم: عاطف أبو حجر

أبو عاكف.. رجل السيرة  بقلم: عاطف أبو حجر
أبو عاكف.. رجل السيرة

بقلم: عاطف أبو حجر

في زوايا الذكريات يسطع نور رجل عظيم بنظري، ليس فقط لأنه أب حنون، بل لأنه كان القلب الكبير الذي يسع الجميع. رجل طيب كريم، صاحب مواقف لا تُنسى، صنع من بساطة حياته قصصًا تنبض بالإنسانية والوفاء. أبو عاكف، لم يكن مجرد والد، بل كان الملاذ، وكان المثال الذي نحتذي به في الصبر، الكرم، وحسن الخلق. في زمن الطيبين، كان هو الرجل الذي علمني معنى العطاء الحقيقي، وعلّمنا كيف نعيش بكرامة، رغم قسوة الظروف.
أتذكّر ذاك الزمن وكأنه حلم بعيد، نقش على جدران الذاكرة نقشًا لا يمحوه الزمن. كان ذلك في منتصف السبعينات، زمن الفقر المؤلم، والجوع الذي لم يسرق الكرامة. كنّا أطفالًا، نحمل قلوبًا صغيرة، لكنها ممتلئة بالقناعة، بالحُب، والدفء العائلي الذي لم يكن يتأثر بقِلّة المال أو غياب الرفاه.
كان والدي – أبو عاكف – عسكريًا بسيطًا، يعمل في كلية الشرطة ومعهد تدريب الضباط، لكنه كان له الهيبة والحضور بحكم قوة شخصيته، وحب الجميع له. لم يكن يملك أرصدة في البنوك، ولا أراضي توزَّع، لكنّه كان يملك ما هو أعظم: الأخلاق، والكرم، والسيرة العطرة. رجلٌ وقور، بلباسه الأنيق، بابتسامته الهادئة، بروحه التي كانت تمطر طيبة في كل مكان.كنا ننتظرة يوميا عند عودته من العمل،وهو يحمل الأكياس بيدة،لم يكن يحمل مجرد أغراض عادية، بل كان يختار لنا بعناية كل ما يفرحنا ويبهج قلوبنا الصغيرة: بأجود أنواع الحضارات والفواكه من محل رامز الدروزي بالعبدلي، مقابل مكان عمله. أتذكر العنب الأسود الشامي، والتفاح اللبناني، والموز الصومالي، والبرتقال أبو صرة. وكان يحضر لنا من دكان الجندي شوكولاتة المارس الكبيرة، والكاكاو، وحليب الكرنيشن، وعصير التانج، والمرتديلا، وعلب لحمة الإكسترا، وجبنة أبو الولد، وجبنة البقرة الضاحكة، وجبنة الكرفت في علبها الحديدية، والتسالي، والنقرشة، وبسكوت الجيش العربي، ومزاهر التمر العراقي، والحلاوة بنصية التنك، وأتذكر أنه أحضر لي آلة موسيقية، عرفت لاحقًا أن اسمها "الكازو"، آلة نفخ إنجليزية من المعدن الفضي والمذهب، وغيرها الكثير. وسيارة نجدة صغيرة على البطارية، بدون ريموت، وكانت آنذاك أعجوبة عند أولاد الحارة.
رغم بساطة راتبه، كان يحرص أن يملأ بيتنا بما يسعدنا، لا بما يُظهره أمام الناس. الكرامة عنده لم تكن شعارًا، بل أسلوب حياة.
أوّل مرة رافقته إلى عمان، شعرت أني دخلت عالمًا آخر. شاهدت الأشجار على جانبي الطريق، شاهدت الفنادق والعمارات التي لم أرَ مثلها إلا على شاشة تلفزيون "التوشيبا" الخشبي الأبيض والأسود،الموجود بالعقد الدار الفلاحية،وعند اقترابنا من دوار الكمالية، أبدأ بعد أعمدة الهاتف والأشجار ،وكأنني أكتشف شيئًا خارقًا. ومن بعدها، أخذني والدي إلى نادي الضباط – وهناك كانت المعجزة. لأوّل مرة في حياتي أرى بركة سباحة حقيقية! طلب من المنقذ أن يُدخلني إليها، وكنت أرتجف خوفًا، لكن سرعان ما تحوّل الخوف إلى متعة، إلى ضحك، إلى ثقة. سبحنا معًا، أكلنا معًا، عشنا تلك اللحظات التي صارت ذاكرة محفورة في القلب.
توالت زياراتنا للنادي، وأصبحت وقتها "محترف سباحة"، بعكس الآن فأنا أغرق بشبر ماء وأخاف حتى من الاقتراب من أطراف البركة. والتقيت بكبار ضباط الأمن العام وضباط من دول الخليج الذين جاءوا للدورات. أتذكّر الضابط البحريني الذي أهداني عطر "بروت" الزجاجة الخضراء ذات طوق السنسال الفضي، وكانت أغلى هدية حصلت عليها في طفولتي، ليس لقيمتها، بل لأنه رآني ابنًا لصديقه – ووالدي وقتها كان مَحط احترام الجميع.
في ذلك الزمن، كنّا نعيش ببساطة، لكن بكرامة. لم تكن هناك رفاهية زائفة، ولا تفاخر بما نملك. كنا نملك المحبة، والنخوة، والاحترام. جيل الطيبين – جيل الآباء الذين تعبوا لنحيا، الذين صنعوا من لا شيء كلّ شيء. جيل كان يسند بعضه، ويزور جيرانه، ويحمل همّ الآخرين دون انتظار مقابل. اليوم، حين نتحدّث عن "الزمن الجميل"، فنحن نتحدّث عن وجوه مثل وجه والدي، عن رجال مثل أبو عاكف، عن حكاياتهم، وصبرهم، ونخوتهم.
كان والدي مدرسة في الأخلاق، موسوعة في الاحترام، سخيًّا بما يملك، كريمًا بما لا يملك. لم يكن يملك الأراضي، لكنه كان يُطعم المارّة والمحتاجين. لم تكن لديه أرصدة في البنوك، لكن كان لديه رصيدٌ لا ينتهي من حبّ الناس ودعائهم. تعلّمت منه أنّ الغنى لا يُقاس بما في الجيب، بل بما في القلب.
أبو عاكف، يا أبي، يا رمز الهيبة والرحمة في آنٍ معًا، علّمتنا كيف نحبّ دون أن نطلب، كيف نُعطي دون أن نمنّ، كيف نحيا دون أن نخسر كرامتنا. لا زلتُ أراك كلما اشتقتُ إلى الزمن الجميل. لا زالت خطواتك تملأ البيت، وعطرك القديم يملأ ذاكرتي.
اللهمّ ارحم والدي الحبيب، يا واسع المغفرة، واغفر له ذنوبه، وارزقه الفردوس الأعلى بغير حساب، وأسكنه جنات النعيم، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. يا رب، اجعل عمله الصالح شفيعًا له، وارزقنا الصبر والسكينة على فراقه، واجمعنا به في مستقر رحمتك. آمين.