شريط الأخبار
الحنيطي يغادر إلى المغرب ممثلاً للأردن في مهرجان دولي للأشخاص في وضعية إعاقة. الوزير الحباشنة يُشهر كتابه "من ذاكرة القلم" ويخصص ريعه لمرضى السرطان ( صور ) العناني يدعو الأردنيين لمواجهة أزمة المنطقة بالتقشف إيران: مستعدون للحرب او التفاوض والكرة في ملعب اميركا محافظة: حصص الفن والموسيقى والمسرح لم تغب عن المدارس الغذاء والدواء تغلق مشغل أجبان في الموقر وتتلف 20 طنا عودة 1.6 مليون سوري لبلادهم بينهم 284 ألفا من الأردن *مندوبا عن الملك وولي العهد...العيسوي يعزي عشيرتي الخوالدة والقاضي* ارفعوا الأسعار".. ياحكومة صرخة المقهورين المعايطة يؤكد أهمية تعزيز التعددية وتطوير العمل الحزبي اليمن: اختطاف ناقلة نفط قبالة سواحل شبوة واقتيادها نحو سواحل الصومال الولايات المتحدة تحذر دولا أوروبية من إمكانية تأخر إرسال شحنات أسلحة إليها ترامب: لن ننسحب قبل إنهاء المهمة في إيران جمعية مكاتب السياحة ترفض تشكيك الاوقاف .. وتشكو الحكومة مسؤول عسكري إيراني: تجدد الحرب مع الولايات المتحدة "احتمال وارد" المنطقة العسكرية الشرقية تحبط محاولة تهريب مواد مخدرة بواسطة بالونات وزير الخارجية يبحث مع نظيره الأميركي الأوضاع الإقليمية وجهود إنهاء التصعيد في المنطقة 18 شهيدا و32 جريحا في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان أجواء دافئة اليوم وانخفاض ملموس الاثنين والثلاثاء ترامب: الأعمال التي بدأت ضد إيران في شباط انتهت

الملك يبارك الشراكة الذكية في مركز سميح دروزة للأورام

الملك يبارك الشراكة الذكية في مركز سميح دروزة للأورام

د. منذر الحوارات

في الدول محدودة الموارد، كثيراً ما يتباطأ قطار التنمية أو يتعرض لتحديات تعيق تقدّمه، وللتغلب على ذلك، تلجأ الدول التي تمتلك تفكيراً إستراتيجياً إلى خيارات بديلة ومرنة تسمح لها بالاستمرار في تطوير القطاعات الحيوية رغم ضيق الإمكانيات، هذا ما شهدناه في الأردن؛ إذ استطاع البلد في سنوات الوفرة النفطية أن يبني منظومة تعليمية متميزة، وجهازاً بيروقراطياً فعالاً، وقطاعاً صحياً كان مضرباً للمثل، إضافة إلى بنية تحتية شهد لها الجميع، غير أن انتهاء مرحلة الازدهار النفطي، وارتفاع كلفة الاستدامة أدّيا إلى تراكم العجز والمديونية، وتباطؤ المبادرات الإبداعية داخل الجهاز الحكومي، ما جعل تحسين القطاعات الأساسية الصحة والتعليم والبنى التحتية مهمة أصعب من السابق.


وسط هذه التعقيدات، ظهرت محاولات لبيع بعض أصول القطاع العام، أو التوسع في الاقتراض، ثم طُرحت برامج للشراكة بين القطاعين العام والخاص، إلا أن معظم تلك المحاولات لم تتحول إلى نموذج مؤسسي ناجح، لأسباب تتعلق بإدارة الخصخصة أو بعدم تكافؤ الأطراف في الشراكة أو غياب الغطاء السياسي اللازم لاستدامة بعضها.

في المقابل، كان المجتمع المدني يتحرك بصورة وإن بشكل بطيء، فغالبية مبادراته اتخذت طابعاً خيرياً محدود التأثير، الاستثناء الأبرز تمثّل في إنشاء مركز الحسين للسرطان، الذي شكّل أول مشروع وطني للصحة يقوم على الإدارة المستقلة والتمويل المجتمعي، تحت رعاية ملكية مشهودة، وقد أثبت هذا المركز أن نموذج الشراكة بين المجتمع المدني والدولة قادر على تحقيق قفزة نوعية، لكنه بقي وحده غير قادر على استيعاب الارتفاع المستمر في أعداد مرضى السرطان.

ومؤخراً انطلقت فكرة مميزة، قادتها جمعية همّتِنا لإنشاء مركز سميح للأورام في مستشفى البشير؛ فكرة قائمة على معالجة ثغرة حقيقية في القطاع الصحي العام، من خلال تأهيل قسم متخصص للسرطان داخل أكبر مستشفيات الدولة، أطلق علية مركز سميح دروزة للأورام، وقد احتاج المشروع إلى إدارة مرجعية وتخصصية، فكانت الشراكة الثلاثية بين وزارة الصحة، ومركز الحسين للسرطان، والقطاع الأهلي والخاص ممثلاً بجمعية همتنا، هكذا تأسس نموذج تشاركي جديد، لم يبقَ فكرة نظرية بل تحوّل إلى مشروع مؤسسي كامل الأركان، امتلك الموارد، والإدارة، والحوكمة، والخطط العلمية الموثوقة.

نجاح مركز سميح دروزة لم يكن مفاجئاً فحسب، بل جاء أكبر من التوقعات، إذ تمكّن المركز، رغم صغر حجمه، من تقديم خدمات تضاهي المراكز المرجعية، ونال ثقة المرضى والمجتمع بسرعة لافتة، وقد تحقق ذلك بفضل وضوح الأدوار: وزارة الصحة قدّمت الكادر والموقع، والقطاع الأهلي والخاص، جهّز البنية التحتية ومولها، ومركز الحسين تولّى الإدارة وخطط العلاج، والجودة؛ أي أن كل طرف قدّم خبرته ضمن مجال اختصاصه.

وعلى هذه الخلفية، جاءت الزيارة الملكية الأخيرة إلى مركز سميح دروزة، وهي زيارة لم تكن بروتوكولية ولا احتفالية، بل زيارة تحمل رسالة سياسية وتنموية واضحة: الاعتراف الملكي الرسمي بنجاح النموذج، وتبنّيه كصيغة مستقبلية للتعاون بين القطاعات المختلفة، فقد اطلع جلالة الملك على نتائج المركز، واستمع إلى شرح تفصيلي حول آليات العمل، والارتفاع المطّرد في أعداد المرضى، وتدفق الخدمات وجودتها، ثم أصدر توجيهاته بتوسعة المركز وفق نفس الصيغة التي أنجحته.

هذا القرار الملكي يحمل دلالات عميقة:
أولاً: إقرار بنجاح نموذج الشراكة الثلاثية، فالملك لم يكتفِ بالاطلاع، بل تبنّى الفكرة، ما يعني أن الدولة باتت تنظر إلى هذا النموذج باعتباره أحد الحلول التي تؤدي إلى استدامة القطاع الصحي العام في ظل محدودية الموارد.

ثانياً: توسيع الفكرة لا المبنى فقط، فالأمر الملكي بالتوسعة هو في جوهره توسعة للفكرة ذاتها: شراكة بين القطاع العام، والمرجعية التخصصية، والمجتمع المدني، وهو إعلان عن رؤية جديدة لتقديم الخدمات العامة، يمكن تطبيقها في الصحة والتعليم والتدريب المهني والرعاية الاجتماعية.

ثالثاً: منح الغطاء السياسي للمشروع، وهذا هو جوهر نجاح أي شراكة في الأردن، فالعديد من المبادرات السابقة تعثرت بسبب غياب الغطاء السياسي أو عدم وضوح الأولوية الوطنية، أما اليوم فإن النموذج يحظى بمشروعية ملكية صريحة تضمن استدامته وتُشجّع أطرافاً أخرى على خوض تجارب مماثلة.

بالتالي فإن الملك عبدالله الثاني، أطلق من خلال هذه الزيارة، شكلاً جديداً من التنمية في الأردن؛ تنمية تعتمد على القطاع العام كعمود فقري، وعلى المؤسسات المرجعية المتخصصة كضمان للجودة، وعلى المجتمع المدني والقطاع الخاص كمحرك للتجديد والتمويل والدعم، إنها صيغة ذكية ومبتكرة تسمح للبلد بتجاوز محدودية موارده، وتخلق تنمية مستدامة تستند إلى التعاون لا إلى الانفصال بين القطاعات.

وبذلك يتحول مركز سميح دروزة من مجرد مشروع ناجح، إلى نموذج دولة، يمكن البناء عليه، وتكراره، وتوسيعه، ليكون قاعدة لنهج جديد في التنمية في الأردن: نهج يقوم على الشراكات الذكية، والمسؤولية المشتركة، واستثمار الخبرات الوطنية في خدمة الصالح العام.

"الغد"