عبدالكريم الشنون - مستشار جودة الحياة والتمكين الاجتماعي
إن المتأمل في واقع العلاقات الأسرية اليوم يجد فجوة عميقة بين المقاصد الشرعية النبيلة وبين الممارسات الواقعية التي يرتكبها البعض تحت ذريعة "التأديب"، حيث تحول مفهوم "الضرب" لدى البعض إلى اعتداء جسدي مبرح يصل في حالات مأساوية إلى التسبب بعاهات دائمة أو أضرار نفسية وجسدية جسيمة.
إن هذا التغول في استخدام القوة ليس من الإسلام في شيء، بل هو جناية أخلاقية واعتداء آثم يتنافى تماماً مع التوجيهات القرآنيّة والآثار المروية عن سلف الأمة، والتي حصرت هذا الإجراء في أضيق الحدود وبشروط تجرده من كل معاني الإيذاء.
لقد وضع أهل التأويل ضوابط حازمة لصفة الضرب التي أباحها الله للزوج في حال استمرار نشوز الزوجة، مؤكدين أنها يجب أن تكون "ضرباً غير مبرح". وفي هذا السياق، ينقل الإمام الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذا الضرب مشروط بألا "تكسر لها عظماً". كما أكد كبار التابعين مثل عطاء بن أبي رباح وقتادة والحسن البصري أن المقصود بـ {وَاضْرِبُوهُنَّ} هو "ضرباً غير مبرح" لا يترك أثراً على الجسد. إن هذا التدقيق العلمي يثبت أن النص جاء ليضع حداً للعنف الجاهلي ويستبدله بـ "رسالة احتجاجية" تهدف حصراً إلى محاولة استعادة الحقوق الزوجية بالتي هي أحسن قبل اللجوء إلى خيارات الانفصال أو الفدية.
فالإسلام الذي أمر بضرب "السواك" أو "المنديل" كأقصى درجات التعبير عن العتب، يبرأ من كل فعل يورث ندبة أو يكسر خاطراً. ومن منظور جودة الحياة والتمكين الاجتماعي، لا يتوقف أثر الاعتداء الجسدي عند جسد الزوجة وكرامتها فحسب، بل يمتد ليشكل طعنة نافذة في التكوين النفسي للأطفال داخل الأسرة، إن نشوء الأبناء في بيئة تشهد عنفاً مبرحاً يورثهم اضطرابات نفسية عميقة، بدءاً من القلق والانطواء، وصولاً إلى تبني سلوكيات عدوانية في المستقبل، حيث ينشأ الطفل وفي ذهنه صورة مشوهة للرجولة والقيادة الأسرية مرتبطة بالقهر لا بالمودة. إن العنف الأسري يهدم الشعور بالأمان لدى الطفل، وهو الركيزة الأساسية لنموه النفسي السليم، ويجعل من البيت مكاناً للترهيب بدلاً من أن يكون محضناً للسكينة.
ختاماً، يجب التأكيد على أن أي فعل يتسبب في أدنى ضرر مادي أو عاهة هو اعتداء يستوجب المحاسبة القانونية والشرعية. إن دور مراكز الإرشاد الأسري والخبراء اليوم هو تعزيز هذه المفاهيم الحضارية التي تحمي كيان الأسرة من التفكك، فالمعيار الحقيقي للرجولة ليس في بسط القوة، بل في كمال المروءة والاقتداء بالهدي النبوي الذي لم يرفع يداً في وجه امرأة قط، معتبراً أن خيار الناس هم ألطفهم بالنساء وأحفظهم لكرامة بيوتهم ومستقبل أطفالهم.




