عميد زيد الرواشدة
لم يكن الخلل يوماً في أن تكون المرأة قوية، ولا في أن تكون فاعلة، ولا حتى في أن تتصدر المشهد حين يستدعيها الموقف؛ فالمرأة في أصل الخلقة شريكة، وفي عمق الرسالة سند، وفي ميزان الدين مكرّمة تكريماً لا يُجارى، فحضورها لم يكن طارئاً، وتأثيرها لم يكن هامشياً ودورها لم يُمنح لها منّة، بل كان جزءاً أصيلاً من هندسة هذا الوجود. لكن الخلل بدأ حين تغيّر تعريف "القوة" من دائرة التكامل إلى ساحة التنازع، ومن روح السكينة إلى منطق الغلبة، ومن انسجام الفطرة إلى صخب المقارنة.
في لحظة تاريخية معينة، نشأت النسوية في بيئة غربية تعاني من اختلالات حقيقية، حيث سُلبت المرأة حقوقاً واضحة، وتعرضت لتهميش قاسٍ، فكان رد الفعل مفهوماً، بل ضرورياً في سياقه. غير أن المشكلة لم تكن في النشأة، بل في التصدير الأعمى للتجربة، حين اقتُلعت من جذورها، وحُمِلت إلى مجتمعات مختلفة في بنيتها الثقافية والدينية والاجتماعية، دون وعي بالفروق العميقة. وهنا بدأت الفكرة تفقد معناها، وتتحول من مشروع إنصاف إلى خطاب صراع، ومن محاولة إصلاح إلى إعادة تشكيل قسرية للعلاقات الإنسانية.
فلم تعد القضية مرتبطة باستعادة حق أو رفع ظلم، بل أخذت منحى آخر يقوم على إثبات الذات عبر المواجهة. أصبحت العلاقة بين الرجل والمرأة محكومة بمنطق المقارنة المستمرة، وكأن القيمة لا تتحقق إلا إذا تمّت مضاهاة الآخر في كل شيء، وكأن النجاح لا يكتمل إلا إذا تراجع الطرف المقابل. بهذا الفهم، تتحول الشراكة إلى منافسة، ويتحوّل الاختلاف إلى عبء، ويُنظر إلى الخصوصية كقيد بدل أن تكون مصدر تميّز.
المرأة، حين تُدفع إلى تقليد نموذج لم يُصمم لها، تُستنزف أكثر مما تتحرر. تُقاس بمعايير لا تنتمي إلى طبيعتها، وتُحمَّل أدواراً لا تنسجم مع تكوينها النفسي والجسدي. وحين تُختزل القيادة في المشهد الظاهر، في الصوت الأعلى، أو في الحضور الأكثر صلابة، يُهمَّش نوع آخر من القيادة، أكثر عمقاً وأثراً: قيادة البناء الداخلي، قيادة الاحتواء، قيادة التربية التي تُنشئ أجيالاً كاملة. هذا النوع من القيادة لا يُقاس بالضجيج، لكنه يُقاس بنتائجه الممتدة عبر الزمن.
إن الدين، حين قرر الفروق بين الرجل والمرأة، لم يكن يضع تراتبية ظالمة، بل كان يقرر تكاملًا وظيفياً دقيقاً. قال تعالى: "وليس الذكر كالأنثى"، لا على سبيل الانتقاص، بل على سبيل البيان؛ فاختلاف الطبيعة يستدعي اختلاف الدور، واختلاف الدور لا يعني اختلاف القيمة. بل إن الإخلال بهذا التوازن هو عين الظلم.
ففي التصور الديني، جاء التفريق بين الرجل والمرأة بوصفه تنظيماً دقيقاً للعلاقة، قائماً على فهم عميق للفطرة. الفروق هنا لا تحمل معنى التفضيل المطلق، بل تشير إلى تنوّع في الوظائف، وتوزيع متوازن للأدوار. كل طرف يحمل خصائص تجعله أكثر قدرة على أداء مهام معينة، وفي هذا التوزيع تتحقق الحكمة.
حين يُهمل هذا التوازن، يبدأ الخلل بالتسلل، فتضيع الحدود، وتتداخل المسؤوليات، ويُطلب من كل طرف أن يكون كل شيء في آن واحد، فتضيع الكفاءة، ويضعف الأداء.
وعندما جاءت القوامة في قوله تعالى: "الرجال قوامون على النساء" لم تأتي تسلطاً، بل طُرحت باعتبارها مسؤولية ثقيلة، تكليفاً يتطلب القدرة على الرعاية والاحتواء والإنفاق، قبل أن تكون موقعاً يُنظر إليه من زاوية الامتياز. في هذا الإطار، يتحمل الرجل عبئاً واضحاً في حماية البناء الأسري واستقراره.
عندما يُساء فهم هذا المفهوم، إما بتحويله إلى أداة تسلط، أو بإلغائه بالكامل، تتفكك المنظومة، ويضيع التوازن الذي يحفظ استقرار الأسرة.
أما ما نراه اليوم من تحوّلات اجتماعية، كدخول المرأة في أدوار كانت تقليدياً للرجل — كقيادة الجاهات أو تصدّر المشهد الاجتماعي الصلب — لا تمثل بحد ذاتها مشكلة. الإشكال الحقيقي يكمن في الدافع الذي يقف خلف هذه التحولات.
حين يكون الدافع حاجة حقيقية، أو كفاءة واضحة، أو ظرفاً يستدعي ذلك، يكون الأمر جزءاً من مرونة المجتمع وقدرته على التكيّف. أما حين يتحول الأمر إلى سعي دائم لإثبات التفوق أو كسر صورة الآخر، يصبح مؤشراً على اختلال أعمق.
النسوية التي تدعو إلى العدل، إلى حفظ الكرامة، إلى حماية المرأة من الظلم، تظل مطلباً إنسانياً مشروعاً، وتعبيراً، عن حاجة حقيقية.
أما النسوية التي تسعى إلى طمس الفروق، وإعادة تشكيل العلاقة بين الرجل والمرأة على أساس التنافس الدائم، فتفتح الباب أمام شكل جديد من الفوضى، أكثر هدوءاً في ظهوره، وأعمق أثراً في نتائجه.
فالبناء الاجتماعي المتوازن لا يحتاج إلى نسخ متطابقة من أفراده، بل يحتاج إلى تنوّع منسجم، يعرف فيه كل طرف موقعه، ويؤدي دوره بإتقان، في إطار يحكمه العدل، وتضبطه المسؤولية، وتغذّيه الرحمة. والقيمة الحقيقية لا تُستمد من التشابه، بل من القدرة على الإسهام بما يملكه كل طرف من خصائص.
الرجل، في هذا التصور، لا يقف في مواجهة المرأة، والمرأة لا تسعى لتكون نسخة أخرى من الرجل. العلاقة بينهما أعمق من معادلة ربح وخسارة، وأسمى من سباق على الصدارة، وبين طريقين واضحين، طريق التكامل الذي يبني، وطريق التنازع الذي يستنزف.
فالرجل ليس خصماً للمرأة، والمرأة ليست مشروع رجلٍ آخر.
وما بين التكامل والتنازع… تنهض المجتمعات أو تسقط.



