تحسين أحمد التل
بدايةً؛ يجب أن يعرف القاصي والداني أن الأردن دولة ذات سيادة، لها مصالح عليا يجب أن تحافظ عليها، أن تحافظ على اقتصادها، أن تحافظ على قوتها ومنعتها، وأمنها، وحدودها، ثبات واستقرار عملتها، ولا يتأتى ذلك إلا بتوفر مجموعة من العوامل أهمها؛ احترام الدول المحيطة إن كانت عربية أو أجنبية.
الدولة الأردنية لها مصالح مشتركة مع العرب، مع الكتلة الشرقية، مع الغرب، مع الولايات المتحدة، وعلاقات مبنية على الاحترام المتبادل، ومبنية على مذكرات تفاهم أدت الى اتفاقيات، ومعاهدات، ملزمة لجميع الأطراف، إن كانت هذه الأطراف عربية أو أجنبية.
نحن نعيش في زمن ملتهب سياسياً وعسكرياً، زمن تحكم فيه المصالح المشتركة، ولا تحكم فيه المبادىء، أو المشاعر، لأن مصالح الدول العليا لا تعترف بالمشاعر والأحاسيس، بل بما توفره من فوائد سياسية، واقتصادية، وعسكرية، ولا تحتكم الى العواطف إلا بالقدر الذي يخدم الدولة والمجتمع.
ربما تكون علاقة الدولة الأردنية مع الغرب؛ وفق نظرة البعض، خطأ وخيانة، لكن من وجهة نظري ووفق العامل الاستراتيجي، والمصالح المشتركة، والنظر الى استقرار وطننا ضمن بحر متلاطم الأمواج، أفضل بكثير من أن نزج ببلدنا في أتون من النار، نحترق فيه دون أن نحقق فائدة واحدة، إلا أننا ألقينا بأنفسنا الى التهلكة دون أي مبرر.
أن نحمي حدودنا، ونحافظ على استقرار سعر صرف الدينار الأردني المدعوم من العالم، وأن نتمتع باستقرار اجتماعي؛ نُحسد عليه، إلا من بعض الموتورين الذين يحاولون الدفع باتجاه تغيير السياسات العليا للدولة، لإرضاء شياطينهم، أو لإرضاء فئة معينة، أياديهم مغموسة في العمالة، فهذا ما لا يمكن أن يحدث، لأن الوطن أهم بكثير من هذه الأشكال.
لو كان العرب والمسلمين على قلب رجل واحد، ويتمثل ذلك في الوحدة، والهدف العربي الإسلامي المشترك، لما تأخرنا، وكنت أول المطالبين بالجهاد ضد العدو المحتل، لكن دولة واحدة تنفرد بقرار جنوني، سيودي بهذا المركب الى الغرق مع أول موجة عاتية، أنا باعتقادي سيكون هذا الفعل في قمة الجنون.
أريد أن أذكر بعض الذين يتهمون الوطن، ويصفوننا بأبشع الأوصاف، أننا لسنا وحدنا من تحالف مع الغرب حماية لمصالحنا، إنما فعلها من قبلنا السلطان صلاح الدين الأيوبي، عندما وقع اتفاقية صلح الرملة، عام (1192) مع ريتشارد قلب الأسد، والتي فرضتها ظروف الحرب، لضمان استقرار الدولة الإسلامية، وكان الاتفاق يضمن للصليبيين منطقة ساحلية محددة من صور إلى يافا، مع حرية زيارة القدس.
كما أن السلطان قطز عقد هدنة ومعاهدة سلام مؤقتة مع الصليبيين في عكا، قبل معركة عين جالوت، هدفت هذه الخطوة الذكية إلى تحييد خطرهم، وتأمين مرور الجيش المملوكي عبر أراضيهم، مع توفير الصليبيين للمؤن مقابل وعود بعدم مهاجمتهم.
نعم، وكانت الدولة الأموية في الأندلس أقامت علاقات دبلوماسية واسعة، وتبادلت السفارات مع الممالك الأوروبية، والإمبراطوريات المجاورة، وشهدت قرطبة خاصة في عهد الخلفاء الأمويين مثل عبد الرحمن الناصر، سفارات متبادلة مع الإمبراطورية البيزنطية، وملوك الفرنجة، وكانت علاقات قوية، ومتينة، ساهمت في تبادل الهدايا، والرسائل السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والعلمية.
كما ان الدولة العثمانية التي حكمت ثلثي العالم كان لها علاقات دبلوماسية وسفارات مع الغرب، وتحالفت مع أمريكا، واحتضنت الكثير من الشعوب غير الإسلامية، وعاملتهم مثلهم كمثل أي شعب من الشعوب التي كانت تدين بالولاء للدولة العثمانية.
لا أدري لماذا يوجه البعض سهام حقده على الأردن؛ قيادة، وشعباً، ومؤسسات مدنية وعسكرية، نحن لدينا دولة ذات سيادة، وملك عظيم قلما نجد زعيماً يشبهه بين ملوك وقادة العالم، يقود البلاد منذ أكثر من عقدين من الزمن، حمل راية الحكم من ملك لن يجود الزمان بمثله، الراحل الكبير الحسين بن طلال (طيب الله ثراه)، يقودوننا نحو بر الأمان، وإننا والله لا نطلب من الله إلا الرضا، وحماية وطننا من الحاقدين، المتربصين، المتلونين بعشرات الوجوه.
أتمنى على بعض السقط أن لا يتجاوزوا حدود الأدب، وحدود الضيافة، والعيش الكريم الذي وفرته الدولة الأردنية لكل العرب، لأننا لا يمكن أن نسكت على من يرمي وطننا بوردة، ولا نصبر كثيراً على من يتجاوز الحدود بحجة خوفه على وطني أكثر مني، هذا الوطن لديه أسس وقواعد يجب على الجميع الإلتزام بها، وإلا سيكون مصيره الدعس تحت بساطير العسكر.




