د. ذيب القراله
في الحروب الكبرى، لا يكون المشهد دائماً محصوراً بين طرفين واضحين، فغالباً ما يظهر ما يمكن تسميته بـ ( الطرف الثالث ) وهو الفاعل الذي يعمل في الظل، ويستثمر في الفوضى، ويصنع أحداثاً غامضة لا يُعرف منفذها الحقيقي، لكنها قادرة على تغيير مسار الصراع أو توسيع نطاقه، او اشراك اطراف اخرى فيه.
ومع اندلاع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران، بدأت تتوالى حوادث من هذا النوع، ما يطرح سؤالاً جدياً حول وجود طرف خفي يحاول إعادة رسم خريطة المواجهة، والى اي مدى يمكنه ان يستثمر في العتمة، و الى اي جغرافيا من الممكن ان يصل؟.
فخلال الأيام الماضية ظهرت سلسلة حوادث يصعب تفسيرها ضمن منطق الحرب المباشرة، إطلاق صواريخ ومسيرات باتجاه تركيا أو أذربيجان او قبرص مع نفي طهران مسؤوليتها، وتقارير عن قصف محتمل طال أهدافاً في بعض دول الخليج دون اعتراف إيراني واضح، واستهداف محطة مياه داخل إيران مع اتهامات غير مؤكدة لدول أخرى، وحديث عن عمليات إطلاق صواريخ من داخل العراق بعد تحركات إسرائيلية على الارض ليلا هناك ،وفي مكان بعيد نسبياً عن مسرح الحرب، احترقت سفينة غاز روسية في البحر المتوسط وأًغرقت في حادثة ما تزال تفاصيلها غامضة لغاية تاريخه.
هذه الوقائع المتفرقة تشترك في سمة واحدة هي الغموض المقصود، فهي أحداث كافية لإثارة التوتر بين دول متعددة، لكنها في الوقت نفسه لا تقدم دليلاً قاطعاً يسمح بتحديد المسؤولية السياسية أو العسكرية، وهنا تحديداً يعمل "الطرف الثالث”.
أول الأسئلة المطروحة يتعلق بمدى الاختراق الأمني داخل إيران نفسها، فإطلاق صواريخ من أراض إيرانية باتجاه دول مجاورة، يعني أحد الاحتمالات التالية، فإما أن طهران تقوم بعمليات لا ترغب في الاعتراف بها، وانما تود ايصال رسالة،، او ان هناك اطرافا من النظام تُنفذ عمليات من خلف ظهر المركز ،، أو أن هناك جهات ليست ايرانية،استطاعت فعلاً العمل داخل المجال الجغرافي الإيراني دون علم السلطات.
الاحتمال الاخير ليس مستحيلاً، فالتجربة خلال السنوات الماضية أظهرت أن البنية الأمنية الإيرانية تعرضت لاختراقات لافتة، سواء في عمليات اغتيال العلماء النوويين أو في الهجمات التخريبية التي طالت منشآت حساسة، او في اطلاق المسيرات الاسرائيلية من داخل الاراضي الايرانية.
أما السؤال الثاني فيتعلق بمن يمكن أن يكون هذا الطرف الثالث، وفي التحليل الاستراتيجي، غالباً ما يُبحث عن المستفيد الأول،، ومن هذه الزاوية تبدو إسرائيل مرشحة للقيام بعمليات تهدف إلى توسيع دائرة خصوم إيران، عبر دفع دول أخرى للاعتقاد بأنها تعرضت لهجوم مباشر من طهران، فكلما اتسعت جبهة الخصوم، ازداد الضغط السياسي والعسكري على إيران.
لكن إسرائيل ليست الاحتمال الوحيد، فالتاريخ يخبرنا أن أجهزة استخبارات دولية، أو حتى تنظيمات، قد تلجأ إلى هذا النوع من العمليات لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو جيوسياسية.
ان بعض الدول قد ترى في اتساع الصراع فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية، أو لإضعاف خصومها دون الدخول المباشر في الحرب، والتنظيمات العابرة للحدود قد تستثمر في الفوضى لتكريس حضورها أو لإشعال نزاعات جديدة.
هذه الظاهرة ليست جديدة في تاريخ الصراعات، فحادثة خليج تونكين عام 1964، التي استخدمت ذريعة لتوسيع الحرب في فيتنام، ما زالت مثالاً حياً على كيفية توظيف الحوادث الغامضة في صناعة قرارات كبرى، وكذلك ما عُرف بعملية "لافون” في خمسينيات القرن الماضي، عندما نُفذت عمليات سرية بهدف توتير العلاقات بين مصر وبعض الدول الغربية.
يبقى السؤال الأكثر إثارة، هل يمكن فعلاً في عصر الأقمار الصناعية والتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي،أن يبقى الفاعل مجهولاً ؟ وهنا يأتي الجواب الفني المؤلم ، فمن الناحية التقنية، تمتلك الدول الكبرى القدرة على تتبع مسارات الصواريخ وتحديد نقاط إطلاقها بدقة عالية.
لكن المشكلة ليست دائماً في القدرة التقنية، بل في الإرادة السياسية، فكثير من الدول تمتلك معلومات دقيقة حول بعض الحوادث، لكنها تختار عدم الكشف عنها إذا كان ذلك يخدم مصالحها أو يمنع تصعيداً أوسع.
بناء على ذلك، قد لا تكون الحوادث الغامضة التي نشهدها اليوم سوى بداية لمرحلة جديدة من الصراع، تختلط فيها العمليات العسكرية التقليدية مع حروب الظل والعمليات السرية،ولذلك فقد نشهد في مُقبل الايام،مزيدا من المفاجآت على هذا الصعيد.
وفي مثل هذه البيئات غير المستقرة، يصبح الطرف الثالث لاعباً خطيراً، لأنه يعمل خارج قواعد الاشتباك الواضحة، ويملك القدرة على إشعال حرائق جديدة في أي لحظة، ليس في مواقع المواجهة ،ومسارح العمليات فقط، وانما على امتداد مصالح وتحالفات واصطفافات هذه الدولة او تلك، في مختلف انحاء المعمورة.
theeb100@yahoo.com



