تحسين أحمد التل
يُطل علينا بين الفينة وأختها شباب وشابات في مقتبل العُمر، يظهرون في بث مباشر أو عبر تسجيل مصور؛ يتحدثون عن تاريخ الأردن، عن حضارة الأنباط، أو تاريخ الملوك القدماء من ميشع وغيره من العظماء، يتحدثون عن فسيفساء الوطن، وهنا لا أقصد اللوحات الفسيفسائية، إنما طول البلاد وعرضها، وما ضمته بين دفتيها من كنوز حضارية، وأثرية، وتاريخ ضارب في عمق الزمن الجيوبشري.
لا أعترض على كل من يرغب بالحديث عن تاريخ الأردن، فالشبكة العنكبوتية زاخرة بالعديد من الشباب والشابات الذين يكتبون ويخرجون في فيديوهات مصورة، يصورون من خلالها البترا، أو جرش، أو فسيفساء مأدبا، أو ربما يتحدثون عن الرموز الوطنية التي نعرفها جميعاً، قبل أن يولدوا وهم لم يكونوا بعدُ شيئاً مذكورا.
المفاجأة، والصدمة في ذات الآن، أن هؤلاء وأولئك يبدؤون الحديث عن ما حصلوا عليه من معلومات عن طريق الكتب التي توثق تاريخ الوطن، أو عبر برامج قامت وتقوم بها وزارة السياحة والآثار، أو بواسطة علماء آثار كانوا يعيشون بيننا، أو لا زال القسم الأكبر منهم يعمل إما في الجامعات الأردنية، أو في المؤسسات الرسمية، ولو سلطنا الضوء على دائرة الآثار فقط، لخرجنا بأرشيف زمني يتحدث عن تاريخ الأردن منذ عهود تمتد الى آلاف السنين، وبالتفصيل.
لو أخذنا مثلاً الدكتور صفوان عارف أحمد التل، مدير عام دائرة الآثار فترة التسعينات، وقرأنا عن إنجازات هذا الرجل، لاحتجنا الى مؤلفات، وصور، لا تُعد ولا تحصى من الإنجازات في عهده القصير، الذي ربما لم يتجاوز الأعوام البسيطة، ولو نظرنا الى من جاء قبله، أو من جاء بعده لدائرة الآثار، لعرفنا أن هذه الدائرة التي تأسست في العشرينات من القرن الماضي؛ وثقت بالصور، والرسومات، والمؤلفات ما يعجز عن الإتيان به جيش من الشباب والشابات...
هذا الوطن نعرف عنه وعن خفاياه، وتاريخه العظيم، ما لا يمكن لحفنة من مدعي الفهم والمعرفة، معرفته؛ لو ظلوا يقرؤون ليل نهار حتى مائة عام، لن يصلوا الى ما نسيناه من علم، وحضارة، خرجنا من بطون أمهاتنا ونحن نتعلمها بالفطرة التي فطرنا الله عليها، قبل أن يُخلق (هؤلاء وأولئك)، بسنوات وسنوات.
لذلك أقول لبعضهم روحوا (العبوا بعيد) عن تاريخنا، وآثارنا، ورموزنا، فنحن نعرف جيداً هذا الوطن، برجاله، وحضاراته، ورموزه الثابتة التي لا تتغير، ولا يمكن أن يؤثر على هذا التاريخ ولد، أو صبية، أو شوية شباب وشابات يحتاجون الى (فت خبز) حتى يمكنهم أن يتحدثوا عن تاريخ الوطن، وكأنهم (جايبين الذيب من ذيله).




