القلعة نيوز:
لم تعد الإدارة المحلية في الدولة الحديثة مجرد إطار خدمي يقتصر على تعبيد الطرق وتنظيم الخدمات اليومية، بل أصبحت إحدى أهم أدوات بناء التنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ومن هنا، فإن مشروع قانون الإدارة المحلية لا يمكن النظر إليه بوصفه تعديلًا إداريًا تقنيًا فحسب، بل باعتباره فرصة لإعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والدولة، وفتح المجال أمام عمل برامجي تشاركي قادر على إنتاج قيادات تمتلك الرؤية والخطط والاستراتيجيات.
فالواقع التقليدي الذي حكم عمل المجالس المحلية لعقود جعلها أسيرة التفاصيل التنفيذية اليومية؛ بين معاملات إدارية، وأزمات مالية، وضغوط خدمية متراكمة، الأمر الذي حدّ من قدرتها على التفكير الاستراتيجي أو إنتاج برامج تنموية بعيدة المدى. ومع تراكم هذه الأعباء، أصبح المنتخب المحلي أقرب إلى "مدير خدمات” منه إلى قائد تنموي يمتلك مشروعًا ورؤية واضحة للمستقبل.
ومن هنا تبرز أهمية مشروع قانون الإدارة المحلية، إذا ما أُحسن بناؤه، في نقل المجالس المحلية من حالة الإدارة اليومية إلى فضاء التخطيط الاستراتيجي والعمل البرامجي التشاركي. ويتحقق ذلك من خلال الفصل الواضح بين الجانب التنفيذي الإداري الذي يجب أن تتولاه أجهزة مهنية متخصصة، وبين الدور السياسي والتنموي للمجالس المنتخبة، بحيث تتحرر هذه المجالس من الاستنزاف الإداري والتحصيل المالي اليومي، وتتفرغ لبناء الخطط ومتابعة تنفيذها وقياس أثرها على المجتمع المحلي.
وفي هذا السياق، يبرز العمل الحزبي التشاركي كأحد أهم أدوات نجاح الإدارة المحلية الحديثة. فالأحزاب لم تعد مجرد أدوات انتخابية أو شعارات سياسية، بل يفترض أن تكون مؤسسات وطنية قادرة على تدريب وإعداد قيادات واعية ومبادرة، تمتلك أدوات التحليل والتخطيط وصناعة القرار. فالحزب الفاعل هو الذي يتحول إلى مدرسة سياسية تنتج كوادر قادرة على العمل داخل المجالس المحلية، لا كأفراد معزولين، بل كجزء من مشروع وبرنامج واضح.
كما أن فاعلية الأحزاب لا تكتمل دون امتلاكها قاعدة بيانات معرفية دقيقة عن حاجات المجتمع المحلي. فالحزب الذي يعرف واقع البطالة، وأولويات الخدمات، ومناطق الفقر، والاحتياجات التنموية في كل منطقة، يصبح أكثر قدرة على صياغة برامج واقعية قابلة للتطبيق، وأقرب إلى الناس في همومهم اليومية. وهنا تتحول الأحزاب من حالة خطاب عام إلى حالة معرفة وإدارة وتخطيط.
إن هذا التكامل بين الإدارة المحلية والعمل الحزبي التشاركي يفتح المجال أمام إنتاج نوع جديد من القيادات المحلية؛ قيادات لا تُستهلك في التفاصيل اليومية، بل تُفرغ للتفكير الاستراتيجي، وبناء الشراكات، وقيادة التنمية المحلية. قيادات تتحرر من تناقضات العمل الإداري اليومي وضغط التحصيل المالي، لتصبح قادرة على إدارة الرؤية لا المعاملة، والتخطيط لا التسيير.
إن مشروع قانون الإدارة المحلية، في جوهره، ليس مجرد إعادة توزيع صلاحيات، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة والمجتمع والأحزاب على الانتقال من إدارة الخدمات إلى صناعة التنمية، ومن العمل الفردي إلى العمل المؤسسي التشاركي.
وعليه، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس نظريًا، بل عمليًا وملحًا:
هل يتحول قانون الإدارة المحلية إلى منصة لإنتاج القيادات وتعزيز العمل الحزبي التشاركي...
د صالح العرود متصرف سابق




