خفف الوطء ...
القلعة نيوز -
ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد...
وشبيهٌ صوتُ النعي إذا قيس
بصوت النشيد في كل نادٍ...
أبكت تلكم الحمامة أم غنت
على فرع غصنها الميّاد...
صاح: هذه قبورنا تملأ الرحب،
فأين القبور من عهد عاد...
المعري...
بالأمس اقتطع ملك أوروبي قطعة من الأرض بأهلها وثمارها وحدودها، ووهبها لفرسان الهيكل، وهي اليوم إسبانيا بكل ما فيها، وبعدها هتلر ليس منا ببعيد، فقد وقعتم له بالنمسا وبولندا وهولندا، وتركتم له روسيا لقمة سائغة، ولكنها لم تكن تلك اللقمة، بل كانت الغصة المؤدية للنهاية، وكل ذلك خوفًا وطمعًا في سبيل أن يتجاوز عنكم، ولكنه لم يفعل، وبعدها وقعتم للاتحاد السوفيتي بكل تلك الجمهوريات الإسلامية وغيرها، ويوغسلافيا بما ضمت من مقاطعات وأجناس وأعراق، وقبلها وبعدها ستبقى هذه الأرض وشعوبها رهنًا للقوي، يتصرف في الأرض والأرواح والأعراض كيف يشاء...
وغريب أمر الإنسان كيف ينسى سريعًا ما حدث وما سطره التاريخ من أحداث، وكيف قامت دول ونامت دول، وكيف ينسى القوي ما حدث، وينسى الضعيف ما حدث أيضًا، ونعلق في أحداث وكأنها مجردة من الماضي وغير متصلة بالمستقبل، بل هي حاضر فقط، وهل كانت البشرية في يوم حاضرًا فقط؟ أليس كل حدث هو ابن ماضيه ورهن بمستقبله؟ وما تزرعه اليوم من أحداث تحصده غدًا مضاعفًا مهما كانت طبيعته...
وهل قامت ممالك واندثرت ممالك، وقامت أمم واندثرت أمم، إلا بانفعال من فعل وتأثر بحدث؟ ولكن هناك فرق بين الحدث الناتج عن حدث، وبين تلك النبوءات التي أصبحت تملأ هذا الفراغ بالفراغ الذي لا طائل خلفه، تارة بنبوءة عن سنة معينة، وتارة بأحداث تم إفراغها من محتواها ومعناها، وهل تحدث النبوءة والحلم إلا بجرار السمن والعقول الفارغة...
لن يتغير واقع إلا إذا تغير واقع، ولا تبني الأحلام ولا النبوءات إلا قصورًا في الفراغ وبطولات في الخيال، القوم يعلمون ويعملون ويدرسون ويجدّون ويسهرون ليصبح الحلم حقيقة، ويسعون بكل قوة لضرب كل صحوة أو فكرة أو نهضة أو وحدة، هم يغيرون الواقع، ويطلبون منا فقط أن نحلم بالتغيير...
ولكن هل يحدث التغيير إلا إذا حدث التغيير في الواقع، وتغير التصرف والفعل والانفعال لتلك الأفعال التي نراها يوميًا؟ وهل تحدث المهرجانات والإضرابات والمظاهرات أثرًا في عدو كما يحدث فأس أو رصاصة أو سلاح...
هناك نشوة انتصار نعيشها في مواقع التواصل الاجتماعي، ولكنها نشوة من سيجارة ماريجوانا تضر الجسد والفكر ولا تصنع شيئًا على الأرض، وهناك عناصر تساهم في بناء الأمة، أهمها حسب ما أرى هو بناء الإنسان المنضبط المنفعل بتاريخه وحضارته وماضيه، والمنطلق منه لبناء واقع آخر مختلف، يصبح للعلم والتعلم والمعرفة والتاريخ والمجتمع والدين فيه مكان، عندها من الممكن أن تصنع هذه الأحداث حضارة ومكانًا تزهر فيه الشفافية والعدالة، وبعدها من الممكن أن نتكلم عن الممكن وغير الممكن.
إبراهيم أبو حويله ...




