اسعد بني عطا
أشرنا في مقال سابق بعنوان " غزة غير قابلة للعيش " بتاريخ ( 5/5 ) إلى تدهور الاوضاع الانسانية في القطاع ، والى ضرورة التحرك لكسر الحصار المفروض ، واستثمار التعاطف الدولي المتنامي مع القضية الفلسطينية ، والتآكل المتسارع للدعم الامريكي لدى الرأي العام وفي أروقة الكونغرس ، وفي هذا الإطار برزت التطورات التالية خلال الأيام الماضية :
تتوالى المعلومات حول معاناة أهالي قطاع غزة المتصاعدة جراء استمرار العدوان والحصار الإسرائيلي ، واشارت إحصائيات هيئة المعابر إلى عرقلة إسرائيل دخول السلع الأساسية منذ إعلان وقف إطلاق النار في (2025/10/10) ، مقابل السماح بدخول سلع كمالية ، فضلا عن الإغلاق المتكرر للمعابر ، ويرى مراقبون أنه على الرغم من مرور ( 6 ) أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار ، إلا أن المشهد في الأسواق يوحي بحرب معيشية لا تقل ضراوة عن الآلة العسكرية ، حيث تم رصد :
. شح كبير في السلع الأساسية .
. تغزو بضائع تالفة بسطات الباعة .
. الارتفاع الجنوني للأسعار .
من جانب آخر ، أكد ( مدير مجمع الشفاء الطبي في غزة / محمد أبو سلمية ) أن القطاع الصحي يمر بمرحلة كارثية ، محذرًا من انهيار كامل للمنظومة الصحية في ظل نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية ، وتتراوح نسبة النقص في بعض الأدوية الأساسية ما بين ( 50%، - 80% ) ، مع صعوبات كبيرة تواجه الطواقم الطبية بالتعامل مع أعداد الجرحى ، وذكر بأن الأوضاع الإنسانية للنازحين تنذر بكارثة صحية مع انتشار النفايات وشح المياه النظيفة ، ما يهيئ بيئة خصبة لتفشي الأوبئة ، ويواجه مرضى الأمراض المزمنة خطر الموت يوميًا ، وقد وجّه ابو سلمية نداءً عاجلًا لفتح المعابر وإدخال المساعدات الطبية بشكل فوري ، وفي هذا الإطار ، أطلقت وزارة الصحة في غزة نداء عاجلا ( 5/7 ) بشأن نقص قوائم الأدوية والمستهلكات الطبية ومواد الفحص المخبرية ، وبقائها ضمن معدلات صفرية ، وطالبت كافة المؤسسات المعنية بتكثيف الجهود الطارئة لتعزيز الإمدادات الطبية وضمان وصولها الى مرافق تقديم الخدمة ، ولقيت هذه الأوضاع ردود فعل دولية قوية ، لعل أبرزها :
في الولايات المتحدة ، شهدت واشنطن تحركًا لما يزيد على ( 300 ) قيادة ومرجعية مسيحية من مختلف الولايات ، للمطالبة بإعادة تمويل الخدمات الإنسانية والصحية المقدمة للفلسطينيين ، لا سيما في القدس وقطاع غزة ، ووقف الدعم العسكري لإسرائيل ، وشارك بالتحرك ممثلون عن الكنائس : ( الأرثوذكسية ، الكاثوليكية ، اللوثرية الإنجيلية ، المشيخية ، ريفرسايد في نيويورك ، المسيح المتحدة والميثودية المتحدة ) ، وشارك في التحرك مؤسسات وائتلافات كنسية وحقوقية أمريكية ، من بينها جماعة ( الكويكرز ) ، التي دعت إلى وقف الحرب وحماية المدنيين الفلسطينيين.
في أوروبا ، ناقش وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي خلال الاجتماع يوم ( 5/11 ) في بروكسل اتخاذ قرارات صارمة ضد إسرائيل ، وأكد دبلوماسيون إسرائيليون مطلعون وفق موقع " واينت " العبري ، بأنه يسود غضب عارم في أوروبا على خلفية أحداث عديدة وقعت في إسرائيل ، من بينها :
. عنف المستوطنين .
. تطبيق عقوبة الإعدام على الأسرى .
. نية الانسحاب من معاهدة المناخ واتفاقية باريس .
. التوسع العمراني الهائل في المستوطنات .
ـ من جهة أخرى ، أكد ( زعيم حزب فرنسا الأبية / جان لوك ميلانشون ) في مقابلة وصفت بأنها نارية أجراها مع قناة " إل سي آي " الفرنسية " إن اسرائيل البلد الأكثر خطورة في الشرق الأوسط ، وبأنها الطرف الذي يبادر بمهاجمة جيرانه وإشعال الحرائق بكل اتجاه ، واتهم حكومة نتنياهو الفاشية بارتكاب جرائم إبادة جماعية في القطاع ، واصفا إياها بعصابة من المجانين الذين لا يكتفون بتدمير غـزة ، بل يواصلون قضم الأراضي بالضفة واحتلال الجولان ، ما يمثل إهانة للقيم الدولية ، وقال إن سياساتهم هي التي تثير الكراهية وتزعزع استقرار العالم " .
اتّهمت منظمة أطباء بلا حدود السلطات الإسرائيلية ( 5/7 ) بتقييد الوصول إلى الغذاء والمساعدات الإنسانية إلى غزة بشكل متعمّد ، ما تسبب بأزمة سوء تغذية مقصودة ، تداعياتها مدمرة خصوصا على الرضّع والحوامل والمرضعات ، وقالت المنظمة إن تحليلا للوضع بين ( 2024 - 2026 ) في ( 4 ) مرافق صحية تدعمها في غزة ، أظهر معدلات أعلى بكثير للولادات المبكّرة ، ووفيات الرضّع المولودين لأمهات يعانين من سوء التغذية اضافة الى ارتفاع حالات الإجهاض ، وربطت المنظمة النتائج بالحصار الإسرائيلي ، والهجمات على البنية التحتية المدنية بما في ذلك المنشآت الطبية .
أمّا الأمم المتحدة ، فقد ركزت على الأوضاع في الضفة الغربية ، وخلال أيام ، جرت سلسلة من النشاطات ، تم خلالها الإدلاء بالتصريحات التالية :
✓ قال ( نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة فرحان حق ) إن إسرائيل أجبرت ( 42 ) ألف فلسطيني على النزوح في الضفة الغربية للفترة ( 2025/1-2026/4 ) ، وأشار إلى أن عمليات هدم المنازل التي نفذها مستوطنون إسرائيليون في الضفة الغربية .
✓ أكد ( المقرر السابق للأمم المتحدة المعني بفلسطين مايكل لينك ) إن الحكومة الإسرائيلية تسعى لمحو الفلسطينيين بمن فيهم المسيحيون ، محذراً من تصاعد وتيرة الاعتداءات التي ينفذها مستوطنون إسرائيليون ضد المسيحيين الفلسطينيين ، وأشار إلى أن التحقيق بحادثة الاعتداء على راهبة في القدس ، لم يبدأ إلا بعد ضغوط دولية ، ولفت إلى أن المستوطنين وقوات الجيش الإسرائيلي كثفوا خلال السنوات الأخيرة هجماتهم على المجتمعات المسيحية الفلسطينية ودور العبادة والقرى ، وفق ما وثقته تقارير حقوق الإنسان الصادرة في هذا الشأن .
✓ أعرب (مدير مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية / أجيت سونغاي ) عن صدمته إزاء نبش الجيش الإسرائيلي والمستوطنين قبراً بعد دفن الجثمان بساعات في مقبرة بلدة العصاعصة جنوب جنين بحجة قرب المقبرة من مستوطنة " ترسلة "، وأجبرت القوات الاسرائيلية الأهالي على نقل الجثمان ، مؤكدا أن الانتهاكات في فلسطين لا يسلم منها الأحياء ولا الأموات .
تراجع الصورة النمطية لـ( اسرائيل ) كدولة مُضْطَهَدة على مستوى العالم ، يتيح للنظام العربي والإسلامي الفرصة لتوحيد المواقف والصفوف ، والتحرك بفعالية أكبر لحشد المجتمع الدولي ومؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الإنسانية الفاعلة لممارسة أقصى قدر ممكن من الضغوط لفك الحصار عن قطاع غزة ، ونصرة الأهالي من نتائج حرب لم يكونوا طرفا فيها ، لكنهم كانوا ابرز ضحاياها ،والمضي قُدُما باتجاه إقامة الدولة الفلسطينية .



