ميزان الضرائب
المحامي معن عبد اللطيف
العواملة
دائما ما تكون العدالة الضريبية محورا للتفاعل المجتمعي والسياسي، لان
الضرائب اهم من كونها أداوات مالية، هي تعبير عن طبيعة العقد الاجتماعي. تاريخياً،
استند الاستقرار الاجتماعي في الأردن إلى توازن دقيق يقوم على قدرة الدولة على
توفير الأساسيات والوظائف عبر قطاع عام ممتد. في تلك المراحل، امتلكت الحكومات هامشاً
واسعاً في تقرير الأولويات الإنفاقية دون حاجة ملحة لمراجعة دافع الضريبة بشكل مستمر.
اما اليوم، فقد تغيرت هيكلية الإيرادات الحكومية و اصبحت انعاكاساتها مباشرة على المواطن
بمختلف فئاته من عامل، و مزارع، وموظف، وتاجر. أدى هذا التغير الى اعادة تشكيل الوعي
العام.
أن المعضلة الضريبية في الأردن مركبة.
فيما يتعلق بضريبة الدخل، يغيب مفهوم التصاعدية الحقيقية بحيث يدفع صاحب الدخل
الأعلى ضريبة أكبر توازي استفادته من البنية التحتية والبيئة الاستثمارية القائمة.
ورغم وجود شرائح تصاعدية حاليا، إلا أن الإعفاءات الواسعة والتهرب في المهن الحرة
يحولان دون تحقيق الأثر الاجتماعي المنشود لهذه الضريبة. اما بالنسبة للطبقة
الوسطى والفقيرة، فان التوسع الكبير في ضريبة المبيعات يشكل ضغطا كبيرا عليها. ضريبة
المبيعات بطبيعتها تراجعية لأنها تفرض نفس النسبة على السلعة بغض النظر عن دخل
المشتري، مما يؤثر بشكل اكبر على ذوي الدخل المتوسط و المحدود.
بعض الأرقام تشير الى ان اكثر من 60% من
الإيرادات الضريبية تأتي من ضرائب المبيعات، و هي نسبة عالية عالميا، مما يرفع
تكلفة المعيشة، مقارنة مع مدى جودة الخدمات الأساسية. فتذبذب الخدمات في قطاعي
التعليم والصحة دفع الكثيرين نحو شراء خدمات القطاع الخاص، مما شكل ضريبة إضافية
غير معلنة. و هنا تضعف معادلة "الضريبة مقابل الخدمة". فعندما يدفع
المواطن ضرائب مبيعات مرتفعة ويجد نفسه مضطراً للاستدانة لتغطية أقساط المدارس
الخاصة أو تكاليف العلاج، يصبح الحديث عن مركزية العدالة الضريبية حقيقة واقعة.
الوضع ليس قاتما. فمشروع الدولة للمئوية
الثانية، ممثلا برؤية التحديث الاقتصادي، يهدف الى تحقيق اقتصاد مزدهر عبر خلق
مليون فرصة عمل جديدة، ورفع دخل الفرد بنسبة 3% سنوياً. و تركز الرؤية على ثمانية
محركات أساسية تشمل الاستثمار، والخدمات المستقبلية، والصناعات عالية القيمة،
وتحسين جودة الحياة. وفي قلب هذه الرؤية، يبرز دور "الاستقرار التشريعي"
كمطلب أساسي لجذب الاستثمار. فالتعديلات المتكررة في القوانين الضريبية تثير مخاوف
المستثمرين وتحد من قدرتهم على التنبؤ المالي. و كل ذلك توجهات ايجابية.
إن العقد الاجتماعي المتجدد يقوم على
المواطنة الفاعلة و معادلة الحقوق والواجبات. و يتضمن التزام الدولة بالشفافية
الكاملة في الإنفاق، ومكافحة الترهل، وتوفير خدمات عامة كفؤة. و المواطن يلتزم
بدفع التزاماته الضريبية دون تهرب، ويمارس حقه في الرقابة والمساءلة عبر القنوات
الدستورية. اما القطاع الخاص فدوره المساهمة بعدالة في رفد الخزينة مقابل بيئة
استثمارية محفزة وتشريعات مستقرة.
إن الوصول إلى عدالة ضريبية حقيقية في
الأردن يتطلب شجاعة سياسية لمراجعة هيكل الضرائب بعمق و تعديل الميزان. لا يمكن
الاستمرار في الاعتماد المفرط على ضريبة المبيعات، بل لا بد من تفعيل التصاعدية في
ضريبة الدخل لتشمل أصحاب الثروات والدخول العالية بشكل عادل وشفاف. والأردن، وهو
يدخل مئويته الثانية، يملك فرصة تاريخية لمواءمة مسارات التحديث الثلاثة، السياسية-الاقتصادية-الإدارية،
لخلق نموذج وطني مستدام، يحقق التوازن بين طموحات النمو ومبادئ العدالة
الاجتماعية.




