.د عمر عتيق / جنين/ فلسطين / جامعة القدس المفتوحة
تحتفي الرواية بحزمة من التقنيات السردية التي تسهم في البناء المعماري للرواية، وتحقق التداخل والتكامل بين شبكة العناصر الروائية، ومن أبرزها القطع الزمني بين مشاهد أقسام الرواية وفصولها التي تتسم بالتابع النفسي الوجداني وليس بالتتابع الزمني. وتمثل (الجدة) علامة سيميائية ترتبط بالقطع الزمني أو الاسترجاع(فلاش باك). وعمدت الكاتبة إلى تماهي الماضي والحاضر في لوحة وجدانية نابضة بتجليات الجدة التي شكلت إطارًا إنسانيًا لطفولة الساردة وحاضرها، وعبرت عن وخز الألم ورحيق الفرح، والجدة في الرواية شاهدة على مواقف نفسية في ذاكرة الساردة، تلك الذاكرة القادرة على التقاط التفاصيل الدقيقة للحدث.
وتتكئ الساردة في غير موضع في الرواية على تقنية المونولوج الداخلي الذي يكشف عن أبعاد نفسية استثنائية لا تظهر في التقنيات السردية العلنية المألوفة. ويصور المونولوج الداخلي اعترافات مهموسة تتوزع على المناجاة والحلم المنشود ونزيف الذاكرة. وتظهر هذه التقنية في المشاهد الأكثر إثارة.
تثير الرواية قضايا إنسانية تندرج في "المسكوت عنه" في الخطاب الاجتماعي وخاصة الفجوة الثقافية والمعاناة النفسية بين الفتاة وعائلتها، فتطرح بلا حذف أو تورية سلطة الأب الذي يمثل سلطة الفكر الذكوري المتسلط في المجتمع الشرقي الذي يتخذ من الموروث الاجتماعي مسوغًا للتحكم والتفرد والإقصاء والتهميش. وتبدو السادرة أنموذجًا بائسًا تبحث عن شخصية الأب المحب لابنته فتجدها في شخصية رجل آخر، وتشكل هذه المعضلة نبضًا عاليًا في حبكة الرواية. وتثير الرواية إشكالية الأم التي تغيب عاطفتها اتجاه ابنتها، فتجد في الجدة بديلًا عن أمها، وبهذا تقدم الرواية صورة اجتماعية لقضية البحث عن بديل للأبوة والأمومة، وهو بديل يتجاوز الرابط البيولوجي، ويختار الرابط النفسي العاطفي، فالجدة بديل عن الأم، والرجل المثقف صاحب دار النشر بديل عن الأب.
ترصد الرواية وهج الحنين في لوحة ذاكرة المكان الذي يتجلى في بيت الجدة. ذلك المكان الذي يجسد فضاء وجدانيًا نفسيًا للطفولة وأحلام الشباب، وبلسمًا يشفي جراح الخيبة والانكسار في شخصية الساردة. هو مكان لأغنيات الحب المكنون في قلبها، وملاذ من عواصف نفسية ناجمة عن أسرتها التي لم تشعر فيها بدفء العائلة.
تقدم الرواية رؤية في فلسفة الاعتماد على النفس حينما تتخلى العائلة عن مسؤولياتها الاجتماعية اتجاه ابنتها التي تشرع في البحث عن بدائل عاطفية ومالية، فتختار الجدة ملجأ لقلبها ومشاعرها، وتختار العمل في سلك التعليم لتوفير تكاليف دراستها وتحقيق ذاتها العلمية التي تعد مفصلًا في أهداف الساردة التي لم تتخل عن أحلامها على الرغم من المعيقات الاقتصادية. ولهذا أرى الرواية أنموذجًا جريئًا لتصوير التحديات التي تواجه البحث عن الذات وتحقيقها.




