الدكتور نسيم أبو خضير
ليس العمل الحزبي سباقًا على المناصب ، ولا صراعًا على النفوذ ، ولا ساحةً لتصفية الحسابات ، بل هو مدرسة وطنية تُخرِّج قياداتٍ تؤمن بأن خدمة الوطن أسمى من كل مصلحة ، وأن نجاح الحزب لا يُقاس بعدد من يتصدرون المشهد ، وإنما بقدر ما يقدمه من برامج ورؤى وحلول تُسهم في بناء الدولة وتعزيز مسيرة الإصلاح .
إن الحزب الذي يقوم على المؤسسية ، وإحترام نظامه الأساسي ، وتوزيع الصلاحيات وفقًا للإختصاصات ، هو الحزب القادر على الإستمرار والنمو .
أما الحزب الذي تُختزل فيه القرارات بشخصٍ واحد ، أو بمجموعةٍ ضيقة ، فإنه يُفرغ العمل الحزبي من مضمونه ، ويحول المؤسسات إلى مجرد واجهات شكلية لا تملك من أمرها شيئًا .
لقد وُضع النظام الأساسي لأي حزب ليكون المرجعية العليا التي يحتكم إليها الجميع ، لا ليُفسَّر وفق الأهواء أو المصالح الشخصية . فلكل هيئة إختصاصها ، ولكل قيادة دورها ، ولكل مسؤول حدود صلاحياته ، ولا يجوز أن تتداخل الإختصاصات أو تُصادر الإرادات ، لأن إحترام النظام الأساسي هو إحترام للحزب ذاته ، وهو الضمانة الحقيقية للعدالة والشفافية وحسن الإدارة .
وعندما تندمج الأحزاب في حزبٍ واحد ، فإن الإندماج لا يعني أن يذوب فريقٌ في فريق ، أو أن تهيمن قيادة على أخرى ، أو أن تُمنح الإمتيازات لفئةٍ دون غيرها . فالإندماج الحقيقي هو إندماج الأفكار والخبرات والطاقات ، وهو عقدٌ أخلاقي وسياسي يقوم على المساواة الكاملة بين جميع أبناء الحزب ، بعيدًا عن التصنيفات القديمة ، فلا وجود بعد الإندماج لما يُسمى بقيادات الحزب ( أ ) أو الحزب ( ب ) ، وإنما الجميع أبناء حزبٍ واحد ، يجمعهم برنامج سياسي واحد ، ورسالة واحدة ، وهدف واحد هو خدمة الوطن .
إن أخطر ما يُهدد الأحزاب هو إنتشار الشللية واللوبيات ، حين تتحول العلاقات الشخصية إلى معيارٍ للتكليف ، وتصبح الولاءات للأشخاص أقوى من الولاء للمبادئ . عندها تضيق دائرة المشاركة ، وتُهمَّش الكفاءات ، وتُقتل روح المبادرة ، ويصبح الحزب أسيرًا لمجموعة محدودة تُدير المشهد وفق مصالحها ، لا وفق مصلحة الحزب والوطن .
ولذلك ، فإن نجاح أي حزب لا يتحقق إلا عندما يشعر كل عضو بأن الفرصة متاحة أمامه على أساس الكفاءة والإنجاز ، لا على أساس القرب من هذا المسؤول أو ذاك ، وأن الرأي الآخر يُحترم ، والنقد البنّاء يُقدَّر ، والقرار يُصنع داخل المؤسسات لا في الغرف المغلقة .
ومن هنا ، فإن موقع الأمين العام يُعد من أهم المواقع التنظيمية ، لكنه ليس الموقع الذي يحتكر القرار أو يصادر إرادة المؤسسات . فالأمين العام هو الممثل التنفيذي للحزب ، والمتحدث باسمه ، والمسؤول عن تنفيذ ما تُقرره مؤسساته الشرعية ، وليس صاحب سلطة مطلقة تُلغي دور المكتب السياسي أو المجلس الوطنى أو المركزي أو اللجان المختصة. فقوة الأمين العام لا تكمن في جمع الصلاحيات بيده ، وإنما في قدرته على قيادة فريقٍ متجانس ، والإستماع إلى الجميع ، وإحترام قرارات المؤسسات ، وترسيخ ثقافة الشورى والعمل الجماعي .
إن الحزب الذي يُعلي شأن الوطن فوق الأشخاص ، ويُقدِّم البرنامج على الأسماء ، والمؤسسات على الفرد ، والكفاءة على المحسوبية ، هو الحزب الذي يحظى بثقة المواطنين ويستطيع أن يكون شريكًا حقيقيًا في صناعة المستقبل .
أما إذا أصبحت المصالح الشخصية هي البوصلة ، وغابت المؤسسية ، وحضرت الشللية ، فإن الحزب لن يخسر أعضاءه فحسب ، بل سيخسر ثقة المجتمع ، لأن الناس لا تبحث عن أحزاب تُكرر أخطاء الماضي ، وإنما عن أحزاب تُجسد قيم النزاهة والديمقراطية والشفافية .
إن المرحلة التي نعيشها تفرض على الجميع أن يرتقوا إلى مستوى المسؤولية الوطنية ، وأن يدركوا أن الأحزاب لم تُنشأ لتكون ملكًا لأشخاص ، بل لتكون منابر للفكر ، ومدارس لإعداد القيادات ، وأدواتٍ للإصلاح السياسي والتنمية الوطنية.
فالوطن أكبر من الأشخاص ، والحزب أكبر من المواقع ، والنظام الأساسي أكبر من الأهواء ، والمؤسسات أقوى من الفرد ، والتاريخ لا يخلّد من جمع الصلاحيات ، بل يخلّد من بنى المؤسسات ، وأرسى العدالة ، وجعل الحوار والشراكة والإحترام المتبادل أساسًا لنجاح الحزب وخدمة الوطن .



