الكاتبة أفنان العنتري
لم يكن على تلك الصغيرة التي لم تتجاوز الخامسة من عمرها آنذاك إلا أن تقف على كنبة الصالون ( صالون التجميل ) ؛ كي تجهش بالبكاء ، معلنة حزنها ، ورفضها التام لقص الظفيرة .
ظفيرة أختها الكبرى ، شقراء ، منسدلة ، متموجة ، بل أقرب لونا إلى غروب الشمس .
شمس ذاك اليوم من سنوات عبرت .
سنوات .. كانت لا تزال طفلة كجبال عمان .
عادت الأختان إلى ذاك المنزل ، منزل العائلة ، الأم والأب والأخ الأوسط والجدة .
لماذا تبكين يا صغيرتي ؟
سألت الأم الحنون .
الطفلة تنظر لعيني أمها ، والجواب ..
لاجواب تحكيه طفلتنا عزيزي القارئ .
( ليس البكاء إلا إيذانا برفض القادم من مغادرات الزمن ) ..
فالجديلة ليست وحدها من يغادر .
الجدة بالخرقة البيضاء تخترق جدار صمت الصغيرة ، وما اختراق صمت الأطفال إلا وسيلة لجلب العيد في تلك اللحظة ، فتنقلب الأحوال ، وتغادر الدمعة ، وتضحك الطفلة ، وتعود إلى اللعبة .
جرس المنزل يباغتنا في تلك اللحظة ، وكالعادة يجري الأخ والأخت وآخر العنقود نحو الباب .
ماما ..
ماما .. إنها جارتنا ( أم رامز ) ..
تفضلي ، أهلا بالعزيزة الغالية..
( أم رامز ) تحمل معها كيسا ..
جلست الجارة على تلك الكنبة
(طقم الموريس ) ، والأم جلبت القهوة ..
وين أيامك ؟ والله يا أهلا وسهلا ..
أم رامز تسأل .. وين الأمورة ؟ جلبت لها هذا الكيس من مصر .
أم رامز جارتنا كانت مثل ابن بطوطة ؛ كثيرة الترحال والسفر ، فهي موظفة في المطار الدولي .
فتح كيس الهدايا أشبه بفتح بوابة الأبدية البيضاء .
الأطفال يحلمون ، والهدايا إجابة الأحلام .
( إنه منديل أخضر وعلى الداير ليرات ذهبية ) .
ربطت الأم المنديل على رأس الصغيرة ، شعرها مفرود ، واللهفة تعتريها.
( الله ، الله .. إيه الحلاوة دي ! ) الإسكندرية ، ورائحة البحر ، وموج الأبيض ، وجناحي النورس ، وأغنية ( إسكندرية أجدع ناس .. داليدا ) ، ومشهد الطفلة ، منديل أخضر وخرخشة مدهشة .
الأغنية ..
أسمعها .. صوت داليدا نفسه ، والبحر ، والأمواج ذاتها ، والاسكندرية لم تغادر الخريطة ..
أفتح عيناي ، أنا أجلس هنا ، على تلك الكنبة ..
أين طقم الموريس !
أين المنديل ؟
قدماي تصلان إلى الأرض ..
طويلة أنا !
أم طالت الأيام بنا !
أين أمي ؟
أين جارة الهنا ؟
ماما .. !
أم رامز .. !
طب جدتي .. !
يا جماعة أين أنتم ؟
( ليس البكاء إلا إيذانا برفض المغادرة ) ..
أم رامز رحلت ، و لكن هذه المرة لم تختار وجهة الرحلة .
أمي كذلك ، كانت تأبى المغادرة ،
فكيف لها أن تغادر !
الأمهات يعشقن تفاصيل البيت ، و العائلة ، و تربية الأبناء ، وتعزيل البيت ، وإعداد الطعام ، والغسيل الأبيض ، ورائحة قهوة العيد .
الأمهات تأبى المغادرة ، و الجدات كذلك .
الجدة .. حلقة الوصل بين هم وأنا ..
أنا ..
أنا الآن ألتمس من القلم الوقوف قليلا ؛ لحين اتضاح الرؤية ، فالغيمة تمطر ولا بد من استراحة لدقائق ...




