آخر الأخبار
مجلس الشيوخ الأميركي يرفض قرارا لإعداد تقرير عن انتهاكات إسرائيلية في الضفةهيغسيث يتجه لتقليص قيادات البنتاغون بنسبة 20%روسيا تشن هجوما واسعا على منشآت الطاقة في أوكرانياوفد عسكري ليبي يزور مديرية القضاء العسكريعودة دفعة من أطفال غزة إلى القطاع بعد استكمال علاجهم في الأردنبلدة حوشا بين المقاطعة والحوار: رسالة إلى وزارة الإدارة المحلية .هل تنوي فيكتوريا بيكهام الرجوع للغناء من جديد؟4684 فرصة عمل.. والبلديات تدخل المسار الأخضرأبو سند.. ثقةٌ تليق به ومهمةٌ بحجم الطموح: رئيسًا لمجلس إدارة غرفة تجارة عماندراسة جديدة في غزة تكشف عن تحسن ملحوظ في معارف الصحة الإنجابية بفضل التثقيف الصحي بقيادة الشباب
منذ شهرين3 دقائق قراءة
التحكم بالخط:

حين تلتقي الصناعة بالمعرفة… يبدأ الاقتصاد الحقيقي

حين تلتقي الصناعة بالمعرفة… يبدأ الاقتصاد الحقيقي

الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم


لا تُبنى الاقتصادات الحديثة على المصانع وحدها، ولا على الجامعات بمعزل عن السوق، وإنما على منظومة متكاملة تجعل المعرفة جزءًا من دورة الإنتاج، والبحث العلمي أداة لحل المشكلات، والتعليم التقني والتطبيقي مصدرًا مستدامًا للمهارات التي يحتاجها القطاع الصناعي. ومن هذا المنطلق، تأتي الشراكة المتنامية بين المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا وغرفة صناعة عمّان بوصفها نموذجًا عمليًا يعكس انتقال الأردن من مرحلة دعم البحث النظري إلى مرحلة الاستثمار في المعرفة ذات العائد الاقتصادي المباشر.


لقد أثبتت التجربة أن تمويل البحث العلمي لا يحقق أثرًا حقيقيًا إذا بقي داخل المختبرات وقاعات الجامعات. أما عندما يرتبط باحتياجات المصانع، ويتعامل مع تحديات الإنتاج، ويرفع الجودة، ويخفض الكلف، ويطوّر المنتجات، فإنه يتحول إلى استثمار وطني ينعكس على النمو والتشغيل والتنافسية.


وفي هذا السياق، فإن ما أعلنه المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا بشأن إعادة توجيه صندوق دعم البحث العلمي والابتكار نحو الأبحاث التطبيقية المرتبطة بالأولويات الوطنية، يمثل خطوة استراتيجية تستحق التقدير. فتركيز التمويل على المياه والطاقة والغذاء والصحة والبيئة، إلى جانب الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، يعكس فهمًا عميقًا لمتطلبات الاقتصاد الحديث، ويؤسس لمرحلة يصبح فيها البحث العلمي شريكًا مباشرًا في التنمية الاقتصادية، لا نشاطًا أكاديميًا منفصلًا عنها.


كما تؤكد الشراكة الممتدة بين غرفة صناعة عمّان وصناديق المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا أن التكامل المؤسسي هو الطريق الأسرع لتحقيق النتائج. فدعم تطبيق أنظمة الجودة الدولية، والأتمتة، وأنظمة تخطيط الموارد المؤسسية (ERP)، والتصنيع الرشيق، والشهادات الدولية، لم يكن مجرد دعم مالي، بل استثمارًا في رفع كفاءة الصناعة الأردنية وتعزيز قدرتها على المنافسة في الأسواق العالمية.


لكن الحلقة التي لا تقل أهمية عن التمويل والبحث العلمي هي التعليم التقني والتطبيقي. فالصناعة لا تحتاج إلى خريجين يحملون الشهادات فقط، بل إلى كفاءات تمتلك المهارة، وتفهم بيئة الإنتاج، وتستطيع تشغيل التقنيات الحديثة منذ اليوم الأول للعمل.


ولهذا، فإن نجاح أي شراكة بين الجامعات والقطاع الصناعي يجب أن يبدأ من إعادة تصميم البرامج الأكاديمية بالتعاون مع أصحاب العمل، بحيث تصبح المصانع شريكًا في بناء المناهج، وتحديد المهارات المطلوبة، واستضافة الطلبة خلال التدريب العملي، والمشاركة في تقييم مخرجات التعلم. فالمؤسسة الصناعية هي الأقدر على تحديد احتياجاتها المستقبلية، والجامعة هي الأقدر على إعداد الكفاءات إذا توافرت لها هذه البيانات بصورة مستمرة.


ومن هنا، فإن التعليم التقني والتطبيقي لم يعد خيارًا مكمّلًا، بل أصبح أحد أهم محركات الاقتصاد الوطني. فكل برنامج أكاديمي يرتبط مباشرة بالصناعة يختصر الزمن بين التخرج والتوظيف، ويزيد إنتاجية العامل، ويمنح المستثمر ثقة أكبر بتوافر الكفاءات الوطنية، ويقلل الاعتماد على العمالة المستوردة، ويرفع القيمة المضافة للاقتصاد الأردني.


كما أن نجاح هذه المنظومة يتطلب الانتقال من مفهوم التدريب التقليدي إلى مفهوم التعليم القائم على المشروعات، حيث يعمل الطلبة على حل مشكلات حقيقية تواجه المصانع، ويشارك الباحثون في تطوير خطوط الإنتاج، وتتحول الجامعات إلى بيوت خبرة وطنية تقدم حلولًا تقنية وهندسية وإدارية قابلة للتطبيق. عندها يصبح الطالب باحثًا ومبتكرًا قبل أن يكون باحثًا عن وظيفة.


ومن الجوانب المهمة التي تستحق الإشادة أيضًا، توجه المجلس الأعلى نحو دعم مراكز البحث المشتركة، وحاضنات الأعمال، ونقل التكنولوجيا والملكية الفكرية من الجامعات إلى السوق. فالدول التي نجحت في بناء اقتصادات المعرفة لم تحقق ذلك بكثرة الأبحاث المنشورة، بل بعدد الابتكارات التي تحولت إلى شركات ومنتجات وفرص عمل واستثمارات.


كما أن الجولة التي نُظمت في مركز الابتكار الأردني للثورة الصناعية الرابعة تؤكد أن الأردن يمتلك بنية مؤسسية واعدة يمكن البناء عليها لقيادة التحول الرقمي الصناعي، شريطة أن تتكامل جهود الجامعات، والمراكز البحثية، وغرف الصناعة، والقطاع الخاص، ضمن رؤية وطنية موحدة.


إن المرحلة المقبلة تتطلب شراكة أكثر عمقًا بين المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، والجامعات، والقطاع الصناعي، بحيث يصبح لكل مشروع بحثي شريك صناعي، ولكل برنامج تقني مجلس استشاري من أصحاب العمل، ولكل طالب فرصة تدريب حقيقية داخل بيئة إنتاجية، ولكل مصنع نافذة مباشرة للاستفادة من الخبرات الأكاديمية.


فالاقتصادات لا تنهض بالشعارات، وإنما بالمعرفة عندما تتحول إلى إنتاج، وبالجامعات عندما تصبح جزءًا من الصناعة، وبالصناعة عندما تستثمر في الإنسان والابتكار. وهذا هو المسار الذي يحتاجه الأردن اليوم إذا أراد أن يجعل من التعليم التقني والتطبيقي، والبحث العلمي، والصناعة، ثلاثة أركان متكاملة لاقتصاد أكثر إنتاجية، وأكثر تنافسية، وأكثر قدرة على صناعة المستقبل.

المزيد في قسم مقالات

الأكثر قراءة

الأخبار العاجلة

كن الأول في معرفة آخر المستجدات فور حدوثها

ابقَ على اطّلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى واتساب مباشرة فور النشر.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام و سياسة الخصوصية.
+962