د. سمر الشديفات
هناك شخصيات إعلامية تُقرأ من عناوينها، وأخرى تُقرأ من مواقفها. وهناك قلة نادرة لا تكفي الكلمات لقراءة حضورها، لأن ما وراء حضورها أعمق من المشهد، وما وراء الكلمة مبدأ، وما وراء الموقف إنسان.
منذ أكثر من خمسة عشر عاما، كان لي شرف معرفة سمير الحياري باشا، لكنني كلما اقتربت من تجربته أكثر، اكتشفت أنني أمام شخصية لا تشبه الصورة النمطية للإعلامي، فهو صاحب كلمة، وصاحب مبدأ، وصاحب موقف، وقبل ذلك صاحب رسالة.
سمير الحياري ليس إعلاميا يكتفي برصد الحدث، بل يقرأ ما وراء الحدث. لا يتوقف عند ظاهر الصورة، وإنما يبحث عن دلالاتها وأبعادها وما يمكن أن تتركه من أثر. ولعل من يتابع اختياراته وكتاباته وما ينشره عبر (عمون) يدرك سريعا أنه أمام عقل إعلامي وثقافي يزن الكلمة، ويعرف متى تُقال، وكيف تُقال، ولماذا تُقال.
وما يلفت في شخصيته أكثر أنه يحمل إيمانا حقيقيا بالشباب. فهو لا يرى الشباب مجرد فئة عمرية تحتاج إلى الدعم، بل يراهم طاقة وطنية يجب أن تجد من يؤمن بها ويفتح لها الطريق. ولذلك لا يتردد في تقديم الدعم المعنوي، وتشجيع المبادرات، والانحياز للإعلام الإيجابي، ومساندة كل فكرة تحمل قيمة للوطن والإنسان.
والأجمل أنه يفعل ذلك بعيدا عن حسابات المقابل.
في شخصيته شيء من أولئك الذين يؤمنون بأن العطاء الحقيقي لا يحتاج إلى فاتورة، وأن دعم إنسان في بداياته قد يكون أعظم أثرا من كثير من الإنجازات التي تُسجّل في العلن.
ولعل أكثر ما استوقفني في هذه الشخصية تلك المحطة الإنسانية القاسية التي مر بها بوفاة ابنه. لم تكن الفاجعة حدثًا عابرًا في حياة أب، بل امتحانا إنسانيا بالغ القسوة. ومع ذلك، بدا الرجل أكثر صمتا، وأكثر وقارا، وأكثر قدرة على تحويل الألم إلى معنى.
هناك أوجاع تكسر الإنسان، وأوجاع تعيد تشكيله.
وأحسب أن تلك التجربة أضافت إلى سمير الحياري شيئًا لا تصنعه المناصب ولا الألقاب: هيبة الإنسان الذي عرف الألم، فازداد إحساسا بالآخرين.
ومن يتعامل معه يلمس فيه هذه المساحة الإنسانية بوضوح، فهو قريب من الناس، شديد الانتباه للتفاصيل، سريع الالتقاط لما قد لا يراه الآخرون، ومهيأ دائما لتقديم كلمة طيبة أو دعم معنوي أو موقف إيجابي حين يرى أن الأمر يستحق، شخصية استثنائية ومتفردة بإمتياز.
وحين حصل على وسام من جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، لم أشعر أن الوسام صنع قيمة جديدة في شخصيته؛ بل شعرت أن الوسام جاء ليضع الضوء على قيمة كانت موجودة أصلا.
فالثقة الملكية لا تأتي من فراغ، والتكريم الحقيقي لا يُبنى على لحظة واحدة؛ إنما هو حصيلة مسيرة، ومواقف، وحضور، وأثر.
سمير الحياري باشا شخصية إعلامية وثقافية عميقة، تجمع بين وعي الإعلامي، وعمق المثقف، وحرارة الإنسان، وصلابة صاحب المبدأ.
وأحيانًا، وأنا أقرأ انتقاءاته الإعلامية وطريقة تعاطيه مع القضايا، أقول في نفسي: هذا رجل لا يقرأ السطر فقط، بل يقرأ ما بين السطور، ولا ينظر إلى المشهد كما يبدو، بل كما يمكن أن يكون.
ولهذا أراه من الشخصيات التي يمكن أن تحمل حقيبة إعلامية وطنية؛ ليس لأنه إعلامي فحسب، وإنما لأنه يفهم أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة قد تبني كما قد تهدم، وأن الإعلام الوطني الحقيقي ليس ضجيجا، بل وعي وموقف ومسؤولية.
لكن أجمل ما في سمير الحياري، في تقديري، أنه رغم كل ما راكمه من تجربة ومكانة وتكريم، بقي قريبا من الإنسان.
وهذه هي القصة الحقيقية للنجاح.
أن تصل، ثم لا تنسى من هم في الطريق.
أن تُكرّم، ثم تظل قادرا على تكريم الآخرين بكلمة.
أن تمتلك المنبر، ثم تمنحه لمن لا يملكه.
أن تكون صاحب كلمة مسموعة، ثم تستخدمها لتمنح الشباب مساحة وأملا وثقة.
سمير الحياري باشا… ليست قصته قصة إعلامي نجح فحسب، بل قصة إنسان جعل من الإعلام موقفا، ومن الثقافة مسؤولية، ومن الوطن انتماءً، ومن دعم الشباب رسالة.
حفظه الله، وأدام عليه الصحة والعطاء، وأطال في عمره، فما أحوج إعلامنا إلى أمثاله، وما أحوج شبابنا إلى من يقول لهم، بالفعل قبل القول: أنا أؤمن بكم.
(سمير باشا، طوبى لك ومرحى لمن يتعامل معك)




