شريط الأخبار
إعلام سوري: إصابات بانفجار قرب سرمدا بريف إدلب الشمالي محلل سياسي: الاعتداءات الإيرانية سلوك ناتج عن رغبة في توسيع دائرة الحرب الصفدي والشيباني يجريان مباحثات موسعة إعلان نتائج مسابقة الفنون التشكيلية للحد من الإلقاء العشوائي للنفايات الحراسيس يزور سلاح الجو وقاعدة موفق السلطي: ركيزة في منظومة الدفاع الوطني الصفدي إلى دمشق ويلتقي الرئيس السوري الشرع الجيش يحبط 4 محاولات تهريب مخدرات بواسطة بالونات موجهة كيا PV5 تحصد برونزية IDEA 2026 وحملتها تتأهل للنهائيات د. أمل نصير مديرًا عامًا لمركز التوثيق الملكي "زين" ترتقي بتقييمها في مؤشر MSCI ESG إلى AA زين ترعى بطولة Royal Fighting Championship لدعم المواهب الرياضية الأردنية "فرح" تعلن عن حدائق جديدة في 6 محافظات .. حسان يوجه بالبدء تتويج الفائزين بالنسخة المحلية العاشرة من جائزة أورنج للمشاريع الريادية المجتمعية لعام 2026 متطوعو إمكان الإسكان يشاركون في اليوم الطبي المجاني في أم صيحون بالتعاون مع جمعية الإغاثة الطبية العربية إيران تهاجم 10 سفن .. وواشنطن تتوعد باستمرار الضربات الاحتلال يمهل القنصلية البريطانية في القدس الشرقية 30 يوما للإغلاق الملك والملكة يشاركان في مراسم جنازة الملك هارالد الخامس رئيس هيئة الأركان من المنطقة العسكرية الشمالية: الجاهزية العملياتية أولوية لحماية حدود المملكة الرواشدة يُرحّب بانعقاد الدورة الثانية والعشرين من ملتقى الشارقة للسرد في عمان بعد العواملة .. الصويص تحصد جائزة إيمي التلفزيونية

أخليف الطراونة.. مسيرة أكاديمية من صناعة المعرفة إلى صناعة الأثر

أخليف الطراونة.. مسيرة أكاديمية من صناعة المعرفة إلى صناعة الأثر
خليل قطيشات
ليست كل المسيرات الأكاديمية مجموعة من الدرجات العلمية والمناصب الإدارية، فبعضها يتحول مع مرور الزمن إلى تجربة إنسانية ومؤسسية وفكرية تتجاوز حدود الوظيفة. وفي المسيرة الأكاديمية والإدارية للأستاذ الدكتور أخليف الطراونة، يبدو هذا المعنى حاضراً بوضوح؛ إذ امتدت تجربته عبر أكثر من ثلاثة عقود، تنقل خلالها بين التدريس والبحث والإدارة الجامعية والاعتماد وضمان الجودة وقيادة الجامعات، قبل أن ينتقل من موقع صانع القرار إلى موقع صاحب الرؤية والرأي في قضايا التعليم العالي والإصلاح.
تكوّن الطراونة أكاديمياً في بيئات علمية متعددة؛ فبعد حصوله على البكالوريوس في الإدارة العامة من الجامعة الأردنية عام 1979، واصل دراسته في إيطاليا والولايات المتحدة، وحصل على الدبلوم العالي والماجستير والاختصاص التربوي والدكتوراه في الإدارة التربوية من جامعات أمريكية، قبل أن يعود إلى الأردن حاملاً معه معرفة أكاديمية وتجربة دولية ستنعكسان لاحقاً على رؤيته في الإدارة والقيادة التعليمية.

ولم تكن عودته إلى الجامعة مجرد عودة إلى قاعات التدريس؛ فقد بدأ في جامعة مؤتة عام 1993، ومنها أخذت تجربته الإدارية تتشكل بصورة تدريجية، متنقلاً بين العمل الأكاديمي وعدد من المواقع الإدارية، من رئاسة القسم ونائب العميد، إلى إدارة مكتبة الجامعة، ثم تأسيس كلية علوم الرياضة، والعمل في مواقع إدارية ومراكز جامعية، وصولاً إلى عمادة شؤون الطلبة ثم نائباً لرئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية.
وهنا بدأت تتشكل ملامح تجربته في القيادة. فقد كان ينظر إلى الجامعة باعتبارها مجتمعاً متكاملاً، لا مجرد هياكل إدارية ولوائح وأنظمة. وكان يرى أن الطالب ليس رقماً في السجلات الجامعية، وأن الأستاذ ليس مجرد موظف أكاديمي، وأن الإدارة الناجحة لا تكتفي بإصدار القرار، وإنما تبني البيئة التي تجعل الناس قادرين على المشاركة في صناعة النجاح.
ومن جامعة مؤتة انتقل الطراونة إلى تجربة مختلفة في طبيعتها وأوسع في تأثيرها، عندما تولى رئاسة مجلس هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي عام 2008، وهي محطة أضافت إلى تجربته بُعداً وطنياً يتجاوز إدارة جامعة بعينها إلى التعامل مع قضايا جودة التعليم العالي والاعتماد ومعايير الأداء المؤسسي. كما كان عضواً في مجلس التعليم العالي خلال تلك المرحلة.
كانت تجربة الاعتماد والجودة محطة مهمة في تشكيل رؤيته للتعليم العالي؛ لأنها جعلته ينظر إلى الجامعة ليس فقط من داخلها، وإنما من زاوية المنظومة الوطنية التي تحكم جودة التعليم ومخرجاته وقدرته على الاستجابة للتحولات المتسارعة في المجتمع والاقتصاد وسوق العمل.
وفي 20 أيلول 2010، تولى رئاسة جامعة البلقاء التطبيقية، في تجربة ارتبطت بطبيعة الجامعة ورسالتها في التعليم التطبيقي والتقني. وهناك وجد نفسه أمام سؤال لطالما ظل حاضراً في فكره: كيف يمكن للتعليم العالي أن يخرج من إطار الشهادة إلى إطار القيمة، وأن تصبح المعرفة التي يتلقاها الطالب قابلة للتحول إلى مهارة وفرصة وعمل وإنتاج؟
ولم تكن هذه التجربة معزولة عن رؤيته اللاحقة لقضايا التعليم التطبيقي والمهني؛ فقد ظل هذا الملف حاضراً في اهتمامه، انطلاقاً من قناعة بأن منظومة التعليم العالي لا يمكن أن تنجح إذا بقيت منفصلة عن احتياجات الاقتصاد والمجتمع وسوق العمل.
وفي 29 آذار 2012، انتقل إلى رئاسة الجامعة الأردنية، في واحدة من أبرز محطات مسيرته، ليقود «أم الجامعات» في مرحلة مليئة بالتحديات والتحولات التي كانت تواجه مؤسسات التعليم العالي الأردنية.
وفي الجامعة الأردنية، لم تقتصر رؤيته على إدارة العمل الأكاديمي والإداري اليومي، بل اهتم بقضايا الجودة والتطوير المؤسسي والانفتاح الدولي وتعزيز حضور الجامعة ومكانتها، إلى جانب بناء علاقة أكثر قرباً مع المجتمع الجامعي.

وكان البعد الإنساني في القيادة واحداً من السمات التي حرص على ترسيخها. فقد ظهرت في تجربته مبادرات تقوم على التواصل المباشر مع الطلبة والعاملين، ومن بينها «إفطار مع الرئيس» و«امشِ مع الرئيس» و«دردشة مع الرئيس». وهي مبادرات تعكس فلسفة تتجاوز البروتوكول الإداري إلى محاولة الوصول إلى الناس في أماكنهم والاستماع إليهم بصورة مباشرة.
ومن هنا ارتبط اسمه بمفهوم «القيادة بالحب»، وهو مفهوم لا يعني، في رؤيته، التساهل في القرار أو تجاوز القانون، وإنما يعني أن الحزم الإداري لا يتناقض مع احترام الإنسان، وأن القائد يستطيع أن يكون واضحاً في موقفه وحازماً في قراره، من دون أن يفقد قدرته على التعاطف والاستماع وفهم ظروف الآخرين.
ولعل هذه الفلسفة هي التي تفسر جانباً من اهتمامه المستمر بالعلاقة بين القيادة والثقافة المؤسسية. فالمؤسسة، في نظره، لا تتغير بالقرارات وحدها، وإنما تتغير عندما يشعر العاملون والطلبة بأنهم جزء من التغيير، وأن صوتهم مسموع، وأن النجاح المؤسسي ليس مشروعاً للرئيس أو الإدارة وحدهما، وإنما مسؤولية جماعية.
انتهت رئاسته للجامعة الأردنية في آذار 2016، لكن تجربته مع التعليم العالي لم تنتهِ بانتهاء المنصب. وهذه ربما واحدة من أكثر النقاط دلالة في مسيرته؛ فقد انتقل من ممارسة القيادة التنفيذية إلى مساحة أوسع من البحث والكتابة والحوار والمشاركة في النقاش العام حول التعليم والجامعات والإصلاح.
فالأستاذ الجامعي الذي مارس الإدارة من مواقع متعددة أصبح أكثر اهتماماً بالسؤال الذي يتجاوز حدود الجامعة الواحدة: ماذا نريد من التعليم العالي الأردني؟ وكيف يمكن للجامعة أن تكون مؤسسة معرفة وإنتاج، لا مؤسسة تدريس وشهادات فقط؟ وكيف يمكن معالجة قضايا التمويل والحوكمة والجودة والمواءمة مع سوق العمل من خلال رؤية متكاملة لا من خلال قرارات متفرقة؟
ولهذا ظهرت في كتاباته واهتماماته موضوعات متعددة تتصل بالقيادة التربوية والإدارة التعليمية وسياسات التعليم العالي والتخطيط الاستراتيجي والتطوير المؤسسي والجودة والتعليم الدولي والتكنولوجيا، وصولاً إلى قضايا أكثر اتصالاً بمستقبل الجامعة واقتصاديات التعليم والتعليم التطبيقي والجامعة المنتجة والتحولات التي تفرضها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وتكشف هذه الاهتمامات عن انتقال طبيعي من مرحلة ممارسة القيادة إلى مرحلة قراءة التجربة وتحليلها. فالخبرة بالنسبة إليه ليست مجرد عدد من السنوات في مواقع المسؤولية، وإنما معرفة ينبغي أن تتحول إلى أفكار قابلة للنقاش، وإلى دروس يمكن أن يستفيد منها الجيل التالي من القيادات الأكاديمية.
وربما لهذا السبب ظل حاضراً في الحياة الأكاديمية حتى بعد مغادرته المواقع التنفيذية؛ أستاذاً وباحثاً ومشرفاً ومشاركاً في النقاش العام، إلى جانب أدواره في عدد من المؤسسات والمجالس واللجان الأكاديمية والتعليمية. كما واصل إنتاجه العلمي والكتابي في قضايا القيادة والتعليم العالي والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وجودة التعليم، بما يعكس استمرار الصلة بين تجربته العملية واهتمامه الأكاديمي.
لكن اختزال تجربة أخليف الطراونة في المناصب التي شغلها يظل اختزالاً ناقصاً. فالقيمة الحقيقية لأي تجربة قيادية لا تقاس فقط بالموقع الذي وصل إليه صاحبها، وإنما بما فعله في ذلك الموقع، وما تعلمه منه، وما بقي منه بعد مغادرته.

فالمنصب مؤقت، والكرسي ينتقل من شخص إلى آخر، أما الأثر فيبقى في الأشخاص والمؤسسات والذاكرة. وربما لهذا تبدو مسيرته أقرب إلى سلسلة من التجارب المتراكمة: من قاعة التدريس إلى الإدارة، ومن الإدارة الجامعية إلى الاعتماد والجودة، ومن قيادة الجامعة التطبيقية إلى قيادة الجامعة الأردنية، ثم من القرار التنفيذي إلى الكتابة والفكر.
إنها مسيرة تكشف أن القيادة الأكاديمية ليست سلطة إدارية فحسب، وأن الجامعة ليست مبنى أو لوائح أو تصنيفات، وإنما مجتمع من البشر والأفكار والطموحات. وأن القائد الحقيقي لا يكتفي بإدارة المؤسسة في زمن وجوده فيها، بل يحاول أن يتركها أكثر قدرة على الاستمرار بعد رحيله.
ومن هنا يمكن قراءة تجربة أخليف الطراونة بعيداً عن الألقاب والمناصب: تجربة أكاديمي آمن بأن المعرفة ينبغي أن تقود إلى الفعل، وأن الإدارة ينبغي أن تقود إلى التطوير، وأن القيادة ينبغي أن تقوم على الإنسان، وأن المسؤولية لا تنتهي عندما يغادر صاحبها مكتبه.
فإذا كان المنصب مرحلة في حياة الإنسان، فإن الأثر هو ما يختبر قيمة تلك المرحلة. وربما كان هذا هو الخيط الذي يصل بين محطات مسيرته كلها: أن يتحول العلم إلى معرفة، والمعرفة إلى قرار، والقرار إلى تغيير، والتغيير في النهاية إلى أثر يبقى.