ليث الفراية
في مسيرة الرجال مواقف لا تنسى، وفي سجل الأوفياء أسماء تبقى حاضرة بما قدمته للوطن وما تركته من أثر طيب في نفوس من عرفوهم وعملوا معهم ومن بين هذه القامات الوطنية التي تستحق التقدير والوفاء، يبرز اسم الفريق المتقاعد غازي باشا الطيب، بما يحمله من سيرة عسكرية ووطنية حافلة بالعطاء والانضباط والالتزام، وبما عرف عنه من مواقف تجسد معاني الرجولة والشهامة والوفاء للأردن وقيادته الهاشمية.
غازي باشا الطيب من الرجال الذين حملوا مسؤولياتهم بأمانة، وتعاملوا مع مواقعهم باعتبارها تكليفًا ومسؤولية وليست وجاهة أو امتيازًا، فكان قريبًا من أبناء الوطن، حاضرًا في المواقف التي تحتاج إلى كلمة حق أو موقف مسؤول، وظل على الدوام نموذجًا للرجل الذي يعرف قيمة الموقع الذي شغله، ويؤمن بأن خدمة الوطن شرف لا يعلوه شرف.
ولأن الرجال تعرف بمواقفها، فإن الحديث عن غازي باشا الطيب لا يمكن أن يكون بعيدًا عن صفاته التي عرف بها من حوله؛ من التواضع وحسن التعامل والكرم والشهامة، إلى الحكمة في اتخاذ القرار والحرص على إعطاء كل ذي حق حقه وهي صفات لا تصنعها المناصب، وإنما تصنعها التربية والأصالة وقوة الشخصية والإيمان بأن الإنسان يبقى بقيمه ومواقفه مهما تغيرت المواقع والمسؤوليات.
لقد امتدت مسيرته في خدمة الوطن بروح عنوانها الانتماء والولاء، وكان حريصًا على أن تكون المسؤولية التي يحملها في خدمة المؤسسة وأبنائها والوطن الذي ينتمي إليه ولم يكن ممن يبحثون عن الأضواء أو يلهثون خلف المديح، بل كان يؤمن بأن الإنجاز الحقيقي هو ما يبقى أثره في العمل وفي نفوس الناس، وأن احترام الآخرين لا يأتي من المنصب، وإنما من حسن السيرة ونبل الموقف.
ومن أجمل ما يميز غازي باشا الطيب أنه رجل يستمع ويحترم الرأي والرأي الآخر، ويتعامل مع الناس ببساطة وتواضع بعيدًا عن الحواجز التي تصنعها المناصب وهذه الصفة تحديدًا جعلته قريبًا من الجميع، فالناس لا تنسى من فتح لهم بابه، ولا تنسى من وقف إلى جانبهم، ولا تنسى من تعامل معهم بعدالة وإنصاف دون تمييز أو محاباة.
وفي شخصية غازي باشا الطيب تلتقي صفات العسكري الذي يعرف معنى الانضباط والمسؤولية، مع صفات الرجل الاجتماعي الذي يعرف معنى التواصل والوقوف إلى جانب الناس ولذلك بقي حضوره في ذاكرة من عرفوه مرتبطًا بالطيبة وحسن الخلق والشهامة، وبذلك النوع من الرجال الذين لا تنتهي علاقتهم بالناس بانتهاء المسؤولية، لأن ما يجمعهم بهم أكبر من منصب أو موقع.
لقد كان ولا يزال رجل مواقف، يعرف متى تكون الكلمة ضرورية، ومتى يكون الصمت حكمة، ومتى يكون الوقوف إلى جانب الآخرين واجبًا لا يحتمل التأجيل ولم تكن الوطنية عنده شعارًا يقال، بل سلوكًا وممارسة ومسؤولية، وهو ما جعل احترامه وتقديره يتجاوزان حدود الموقع الرسمي إلى محبة الناس وثقتهم.
يا باشا، إن الحديث عنكم هو حديث عن رجل آمن بأن الوطن أمانة، وأن خدمة الأردن وقيادته شرف ومسؤولية، وأن ما يتركه الإنسان من محبة في قلوب الناس هو أعظم ما يمكن أن يحصده بعد سنوات العمل والعطاء.
فطوبى لكم هذه السيرة الطيبة، وطوبى لكل رجل جعل من موقعه بابًا لخدمة وطنه وأهله، ولم تجعل منه المسؤولية حاجزًا بينه وبين الناس ستبقى مواقفكم شاهدًا على مرحلة من العطاء، وستبقى سيرتكم الطيبة حاضرة في ذاكرة من عرفوكم وعملوا معكم، وستظل قيمكم في الشهامة والكرم والتواضع والوفاء محل تقدير واحترام.
بوركتم يا غازي باشا، وبوركت سيرة رجلٍ حمل المسؤولية بأمانة، وخدم وطنه بإخلاص، وبقي قريبًا من الناس، أصيلًا في مواقفه، ثابتًا على مبادئه.
دمتم للوطن سندًا وفخرًا وذخرًا، وتحت ظل الراية الهاشمية، وقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ورعاه.




