عبدالكريم الشنون / مستشار جودة الحياة والتمكين الاجتماعي
لم تسقط الدول الكبرى عبر التاريخ بالسلاح وحده، بل كثيراً ما سقطت بتهتك أركانها من الداخل حين تغلغلت فيها العصبية واستبدت بها الفئوية. وإذا كانت الفتوحات قد شيّدت للإسلام إمبراطوريات شاسعة تمتد من أطراف الصين إلى قلب أوروبا، فإن التمييز الفكري، والطبقية الإدارية، وتغليب النسب على الجدارة كانت السُمّ الخفي الذي سرى في جسد الدولتين الأموية والعباسية حتى اسهمت في إضعاف بنيتها الداخلية ومهّدت، مع عوامل سياسية وعسكرية أخرى إلى أفولهما.
في الدولة الأموية، تجلت المشكلة في تقديم العنصر العربي واعتباره الطبقة الأرستقراطية، في مقابل تهميش الموالي والتعامل معهم بدرجة أدنى، رغم أنهم يشكلون العصب العلمي والاقتصادي للإمبراطورية. لم تتوقف العصبية عند هذا الحد، بل امتدت لتذكية النار بين القبائل العربية نفسها، مما أدى إلى تراكم غضب اجتماعي عارم كان بمثابة التربة الخصبة التي نبتت فيها الثورة العباسية.
وحين جاء العباسيون برفع شعار العدل والمساواة، سقطوا بعد حين في الفخ ذاته؛ حيث استبدلوا هيمنة عرقية بأخرى، واستشرت في إدارتهم المحسوبية وتوارث النفوذ. وظهر ذلك جلياً في تحول الوزارات والدوائر إلى ما يشبه الإقطاعيات الحصرية، ثم اخذ نفوذ بعض الأسر والدوائر المقربة من مركز الحكم يتعاظم، حتى أصبح القرب من السلطة والنفوذ العائلي عاملاً مؤثراً في توزيع المناصب ومراكز القرار، بما أضعف في مراحل معينة، مبدأ تكافؤ الفرص وأفسح المجال للمحسوبية. وحين غاب معيار الكفاءة والعدالة المفتوحة لصالح هذه الاحتكارات الإدارية، أُفرغت المؤسسات من مضمونها، وغدت الخلافة ألعوبة في أيدي القادة والعائلات المتنفذة، وجسداً متهالكاً يسهل اجتياحه من الخارج.
إن القارئ لصفحات التاريخ يدرك تماماً أن السنن الإلهية في قيام الدول وسقوطها لا تتغير ولا تتبدل. واليوم، ونحن نرقب وضعنا الوطني في الأردن وسط إقليم يموج بالاضطرابات والتجاذبات الساخنة، نجد أن الحفاظ على قوة الجبهة الداخلية لم يعد مجرد خيار سياسي، بل هو ضرورة وجودية وسياج أمان حاسم. إن الخطر الحقيقي على أي مجتمع لا يأتي فقط من التهديدات الخارجية على الحدود، بل ينبت في الداخل حين تتسلل أشكال جديدة من العصبية الحديثة، سواء كانت استقطاباً مناطقياً، أو شحناً إقليمياً، أو تحويلاً للمنصب العام والموقع القيادي إلى حق مكتسب يُتداول بناءً على القرب والنسب وتوارث الموقع لا على أساس الجدارة والاستحقاق.
إن الدول لا تُبنى بوراثة المواقع احتكاراً كحال البرامكة وبني نوبخت في التاريخ، بل بتوارث الأمانة والإخلاص. وحين يترسخ في ذهن الشباب والكفاءات الوطنية أن الوصول إلى مواقع صنع القرار يخضع للمحسوبية أو الأنساب بدلاً من الكفاءة والمنافسة الشريفة، ينشأ التهميش النفسي والاجتماعي، وهو أسرع طريق لإحباط العقول الجادة، وإضعاف ثقة المواطن بمؤسسات دولته. لقد أثبت الأردن عبر عقود طويلة من تاريخه المجيد أنه العصي على الانكسار، بفضل تلاحم القيادة والشعب، ووعي أبنائه بمختلف أطيافهم. ولكن استمرار هذه الصلابة يتطلب منا مراجعة دائمة تجعل من دولة القانون والمواطنة الفاعلة العروة الوثقى التي نتمسك بها جميعاً.
إن العدل الاجتماعي وتكافؤ الفرص هما من أهم مقومات استدامة الاستقرار. فالأوطان لا يحميها السلاح وحده، ولا تصونها الحدود وحدها؛ إنما يحميها قبل ذلك مجتمع يشعر فيه كل مواطن أن كرامته مصونة، وان فرصته لا تُقاس باسمه أو أصله أو موقعه الجغرافي، بل بما يقدمه من كفاءة ونزاهة وعطاء ، وحين تصبح المواطنة ميزاناً، والعدالة قاعدة، والجدارة طريقا إلى المسؤولية، يصبح السياج الداخلي للوطن أقوى من كل سياج.
حفظ الله الأردن عزيزاً آمناً، وحفظ قيادتنا الهاشمية، في ظل جلالة الملك وولي عهده الأمين.




