القلعة نيوز - خاص
في ومضة عين، يتحول الشارع الهادئ إلى مسرح لفاجعة لا تُنسى. صرخة تقطع الأنفاس، ودماء تُهدر على الأسفلت، وعائلات تُفجع في أحبائها دون سابق إنذار. لم تكن حرباً ولا كارثة طبيعية، بل هو سلاح دمار شامل من صنع أيدينا يُدعى "الاستهتار".
لطالما كانت حوادث السير الناجمة عن السرعة الزائدة كابوساً يؤرق المجتمعات، لكننا اليوم نقف أمام منعطف مروري جديد وأكثر خطورة، يتطلب تدخلاً حاسماً ووعياً مجتمعياً استثنائياً: عصر السيارات الكهربائية.
هذه المركبات التي جاءت لتنقذ البيئة وتواكب المستقبل، تحولت بين أيدي السائقين المستهترين إلى "قنابل موقوتة" تسير بين المشاة. الخطر هنا مضاعف وذو طبيعة خادعة، ويكمن في عاملين رئيسيين يجهلهما أو يتجاهلهما الكثيرون: غياب الصوت، والتسارع اللحظي الجبار.
في السيارات التقليدية، يعمل صوت هدير المحرك كجهاز إنذار مبكر؛ فالأذن تسبق العين في الشوارع المزدحمة، وصوت المحرك العالي ينبه الأطفال وكبار السن وعابري الطريق باقتراب خطر ما. أما السيارات الكهربائية، فهي أقرب إلى "القاتل الصامت". إنها تنزلق على الأسفلت بهدوء مريب، فلا يدرك المشاة اقترابها إلا بعد فوات الأوان، وكأن السائق المستهتر قد سلب الضحية حتى حقها في الانتباه والنجاة.
إلى جانب الصمت القاتل، تمتلك السيارات الكهربائية عزم دوران فورياً لا يُضاهى. بضغطة خفيفة على دوّاسة السرعة، تنتقل المركبة من الثبات إلى سرعات جنونية في ثوانٍ معدودة. هذا التسارع الخارق، الذي صُنع ليكون ميزة تكنولوجية، يخلق وهماً لدى بعض السائقين بالسيطرة المطلقة، فيحولون شوارعنا السكنية ومناطق عبور المشاة إلى حلبات سباق رخيصة لإشباع رغبة طائشة في استعراض القوة.
النتيجة؟ أطنان من المعدن المندفع بصمت وسرعة لا يستوعبها العقل البشري في اللحظات الحرجة، تقطع مسافة الفرملة قبل أن يتمكن السائق من إدراك خطأه، لتكون النتيجة دهساً محققاً أو اصطداماً كارثياً لا تبقي ولا تذر.
من غير المقبول أن تبقى أرواح الناس مرهونة بمزاجية مراهق طائش أو سائق يفتقر إلى أدنى درجات المسؤولية. التكنولوجيا يجب أن تخدم الإنسان لا أن تقتله، ومواجهة هذا العبث تتطلب تحركاً على عدة جبهات:
تغليظ العقوبات: يجب أن يُعامل القيادة المتهورة بسرعات جنونية، خاصة داخل الأحياء السكنية، كشروع في القتل وليس كمجرد مخالفة مرورية عابرة.
فرض معايير السلامة الصوتية: تفعيل وإلزام وكلاء السيارات والجهات الرقابية بتشغيل أنظمة التنبيه الصوتي الاصطناعي (AVAS) في السيارات الكهربائية عند القيادة بسرعات منخفضة، لحماية المشاة.
الوعي والمسؤولية: يجب أن يدرك كل من يجلس خلف مقود سيارة كهربائية أنه يتحكم بآلة ذات ديناميكية مختلفة تماماً، وأن قوة التسارع التي تحت قدمه ليست لعبة مباهية، بل مسؤولية قانونية وأخلاقية عظيمة.
الشوارع ليست ملكاً لمن يمتلك السيارة الأسرع، بل هي مساحة مشتركة يجب أن يأمن فيها الطفل وهو يعود من مدرسته، والعامل وهو يقطع الطريق نحو رزقه. إن الاستمرار في التغاضي عن جنون السرعة وصمت الموت القادم مع هذه المركبات، هو تواطؤ غير مباشر في إزهاق المزيد من الأرواح. لقد حان الوقت لنوقف هذا النزيف المأساوي، فخسارة روح بريئة واحدة بسبب طيش عابر هي ثمن باهظ لا يمكن لأي مجتمع أن يتحمله.








































