خليل قطيشات
إن الحديث عن الاستثمار في الإنسان يتجاوز حدود المفاهيم الاقتصادية التجريدية ليلامس جوهر النهضة الحضارية وأساسها المتين، حيث تمثل الطاقات الشبابية الثروة الحقيقية والرصيد الاستراتيجي الأنبل الذي تمتلكه المجتمعات في مسيرتها نحو الرفعة والتقدم. لا يقاس تمدن الأمم ومدى جاهزيتها لمواجهة مستجدات العصر بما تمتلكه من موارد مادية فحسب، بل بما تزرعه في عقول أبنائها من حكمة ومعرفة وما تغرسه في نفوسهم من قيم الانتماء والعطاء والمسؤولية. إن الشباب هم نبض الأمة الحاضر وشرارة أملها المتجدد، ومتى ما أحيطت هذه الطاقات بالرعاية الواعية والتمكين الأكاديمي والمجتمعي السليم، تحولت من مجرد طاقات واعدة إلى قوة دفع هائلة تعيد رسم الخارطة التنموية بأسلوب يصنع الفارق ويترك الأثر الخالد.
تتجلى الروح الشبابية في أبهى صورها عندما ترتبط الريادة بالفكر المستنير والإرادة الصلبة، حيث يمتلك الشباب القدرة الاستثنائية على تفكيك التحديات المعقدة وتحويلها إلى فرص نجاح ملهمة. إن امتلاك الرؤية المستقبلية والقدرة على مجاراة المتغيرات العلمية والتكنولوجية بكفاءة عالية يجعل من الشباب الفاعل الرئيسي في بناء اقتصاد المعرفة وترسيخ مفاهيم التنمية المستدامة. وحين تلتقي هذه الحيوية الشبابية مع الخبرات المتراكمة والأطر المؤسسية الناجحة، تنشأ حالة من التناغم الخلاّق الذي يدفع بالجامعات والمؤسسات والمبادرات المجتمعية نحو آفاق جديدة من الإبداع والتميز، فيغدو العمل العام خدمة سامية والابتكار منهج حياة لا يتوقف.
إن التأسيس لمستقبل زاهر يستوجب إيماناً مطلقاً بأن الاستثمار في عقول الشباب وشخصياتهم هو الاستثمار الأكثر جدوى وأعظم أثراً على الإطلاق. فالإنسان الواعي، المؤهل علمياً والمتمسك بقيمه، هو القادر على حمل الأمانة وصياغة غدٍ أكثر إشراقاً وأصالة. عندما نفتح أمام الشباب أبواب المشاركة الفاعلة ونمنحهم الثقة والمساحة للتعبير عن طاقاتهم القيادية، نكون قد وضعنا اللبنة الأساسية لبناء مجتمع متماسك وقوي ينطلق بثبات نحو المستقبل، محصناً بالمعرفة، ومستنداً إلى إرادة أبنائه الذين يسطرون بعزمهم وإخلاصهم أنبل صفحات الإنجاز والعطاء.




