لم تعد الحروب المعاصرة تُدار بالصواريخ والمسيرات وحدها، بل أصبح الفضاء الرقمي جزءاً لا يتجزأ من ساحة المعركة. ومع اشتداد التصعيد العسكري من العدوان الإيراني وسقوط الشظايا ومحاولات خرق الأجواء الأردنية، طفت على السطح ظاهرة خطيرة تتجاوز مجرد التعبير عن الموقف السياسي،
وهي استغلال منصات التواصل الاجتماعي لبث منشورات تدعو صراحة، أو تحرض ضمناً، على استهداف أراضي المملكة ومنشآتها وقواتها المسلحة.
هذا النمط المستجد من التهديد يفتح باباً للتساؤل حول مدى كفاية المنظومة القانونية الأردنية الحالية لردع هذا السلوك، أم أننا أمام فجوة تشريعية تستغلها هذه الجهات والأشخاص؟
عند النظر في ترسانة القوانين الأردنية، نجد أن الحماية موزعة بين نصوص تقليدية في قانون العقوبات ونصوص تقنية في قانون الجرائم الإلكترونية، إلى جانب قانون منع الإرهاب.
فقانون العقوبات يعاقب في مادته (118) على الأعمال والكتابات التي لم تجزها الحكومة وتعرض المملكة لأعمال عدائية،
بينما تجرم المادة (149) تقويض نظام الحكم وإثارة الشغب والتسلح.
وعلى الجانب الرقمي، يعاقب قانون الجرائم الإلكترونية في مادته (17) على إثارة الفتنة والنعرات أو الحض على النزاع،
في حين يجرم قانون منع الإرهاب استخدام الشبكة المعلوماتية للترويج لأفكار التنظيمات الإرهابية.
لكن المحك الحقيقي يكمن في مدى انطباق هذه النصوص على الواقع العملي، وهنا تظهر معضلة قانونية عميقة.
فالنص التقليدي للمادة (118) وضع تاريخياً لمعاقبة تصرفات فردية مستفزة قد تجر الدولة إلى نزاع مع دولة أخرى، وهو لا ينطبق بدقة على من يكتب منشوراً يستجدي فيه تنظيماً أو جيشاً أجنبياً لضرب أهداف أردنية.
أما المادة (149)، فتنصرف علتها التشريعية إلى استهداف النظام السياسي الداخلي والسلم المجتمعي،
وتوسيعها ليشمل الدعوات الخارجية يعد تمديداً غير منضبط لمفهوم "تقويض النظام".
وحتى المادة (17) من قانون الجرائم الإلكترونية، فإنها تعالج النزاعات البينية وإثارة النعرات داخل المجتمع،
والنزول بالتحريض على استهداف الدولة عسكرياً إلى مصاف هذه الجنحة يُعد إفراغاً للفعل من خطورته السيادية.
كذلك، فإن قانون منع الإرهاب يشترط في الغالب ارتباط الفعل بجماعة مصنفة قانوناً كإرهابية،
مما يعني إفلات كل تحريض صادر لصالح دول أو ميليشيات لم تصنف بهذا الوصف رسمياً.
هذا التناثر يثبت بوضوح وجود قصور تشريعي حقيقي.
فالأصل في المادة (80) من قانون العقوبات أن المحرض لا يُعاقب بالعقوبة الكاملة للجريمة إلا إذا وقعت الجريمة بالفعل أو شُرع فيها على الأقل؛ فإذا حرض ناشط على استهداف قاعدة أو منشأة أردنية ولم تستجب تلك الجهة لدعوته، ظل المحرض في مأمن من العقوبة الرادعة بحكم قاعدة التبعية.
يضاف إلى ذلك الطبيعة العابرة للحدود للفضاء الرقمي، والغياب التام لنص خاص ومستقل في التشريعات الأردنية يجرم "الاستعداء الإلكتروني المباشر" على الدولة كجريمة شكلية قائمة بذاتها، الأمر الذي يدفع جهات التحقيق أحياناً للجوء إلى نصوص فضفاضة قد تؤدي عملياً إلى الخلط بين حرية التعبير المشروع في نقد السياسات، وبين التحريض الفعلي على استباحة دماء وأرض الوطن.
ولسد هذه الثغرة دون مساس بالحقوق الدستورية، تبرز الحاجة الملحة لإدراج نص تشريعي خاص إما في قانون العقوبات تحت فصل الجرائم الماسة بأمن الدولة الخارجي، أو ضمن قانون الجرائم الإلكترونية،
وقد تُصاغ تلك المادة كالآتي:
يُعاقب بالأشغال المؤقتة مدة لا تقل عن خمس سنوات كل من نشر أو بث عمداً عبر الشبكة المعلوماتية أو وسائل التواصل الاجتماعي، بيانات أو دعوات أو تسجيلات يُحرّض فيها أو يستعدي صراحةً أو دلالةً دولةً أو تنظيماً أو جماعة مسلحة، على استهداف أراضي المملكة الأردنية الهاشمية أو أجوائها، أو منشآتها ومرافقها الحيوية أو العسكرية، أو قواتها المسلحة وأجهزتها الأمنية أو قاطنيها، بأي وسيلة من وسائل القوة أو العدوان.
وتقوم فلسفة هذا النص على اعتبار التحريض على استهداف الدولة جريمة خطر وسلوك مجرد تتحقق بمجرد النشر متى توافر القصد الجرمي بعلم الفاعل وإرادته، دون انتظار وقوع الكارثة لإنزال العقاب،
إن مواجهة استباحة الفضاء الرقمي لم تعد ترفاً، بل ضرورة لحماية سيادة الأردن وجبهته الداخلية.




