خليل قطيشات
حين تنجح الجامعة الأردنية في تطوير تعليمها وبحثها العلمي وإدارتها، فإن المسألة لا تتوقف عند أسوار الجامعة؛ لأن ما تبنيه الجامعة اليوم يظهر غدا في الطبيب والمهندس والباحث والمعلم وصاحب المشروع وصانع القرار. ومن هنا يصبح تطوير الجامعة جزءا مباشرا من بناء مستقبل الأردن.
وفي هذه المرحلة، يقود الدكتور نذير عبيدات مسارا يستهدف تعزيز مكانة الجامعة أكاديميا وبحثيا، وتطوير التعليم والتحول الرقمي، وربط مخرجات التخصصات باحتياجات سوق العمل، إلى جانب تحسين كفاءة الإدارة والاستثمار في الإمكانات العلمية والبشرية. وهي مسارات تتقاطع جميعها مع حاجة الأردن إلى اقتصاد أكثر اعتمادا على المعرفة والابتكار والمهارات.
قيمة هذه الجهود لا تكمن في الأرقام والتصنيفات وحدها، رغم أهميتها، وإنما في ما يمكن أن تنتجه من أثر طويل المدى. فكل برنامج أكاديمي أكثر جودة يعني خريجا أكثر قدرة على المنافسة، وكل بحث علمي يتحول إلى تطبيق يعني فرصة جديدة لحل مشكلة وطنية، وكل مشروع ابتكاري داخل الجامعة يمكن أن يتحول إلى فكرة اقتصادية أو فرصة عمل.
ولهذا فإن نجاح الجامعة الأردنية في تحسين حضورها الأكاديمي والبحثي، وتعزيز التحول الرقمي، ورفع كفاءة مواردها، ليس إنجازا إداريا منفصلا، بل استثمار في رأس المال البشري الأردني، وهو الاستثمار الأكثر ارتباطا بقدرة الدولة على مواجهة تحديات المستقبل.
الدكتور نذير عبيدات يدرك، بحكم موقعه الأكاديمي والإداري، أن الجامعة لا تستطيع أن تعيش خارج التحولات الكبرى التي يشهدها العالم. الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، وتغير طبيعة الوظائف، والمنافسة العالمية على الكفاءات، كلها تفرض على التعليم العالي أن ينتقل من إنتاج الشهادة إلى إنتاج المعرفة والمهارة والفرصة.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي: ماذا تريد الأردن من جامعاتها خلال السنوات المقبلة؟
الجواب يتجاوز تخريج أعداد جديدة من الطلبة؛ الأردن يحتاج إلى عقول قادرة على الابتكار، وباحثين قادرين على إنتاج حلول، وخريجين يمتلكون مهارات المنافسة، وجامعات تستطيع أن تكون شريكا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، لا مجرد مؤسسة تعليمية.
وفي هذا السياق، فإن ما تشهده الجامعة الأردنية من تطوير يمثل نموذجا لما يمكن أن يحدث عندما تتحول الإدارة الجامعية إلى مشروع مؤسسي طويل النفس، يقوم على تحديث التعليم، وتعزيز البحث، والانفتاح على التكنولوجيا، وترشيد الموارد، وبناء بيئة أكاديمية أكثر قدرة على صناعة المستقبل.
فالجامعة الأردنية ليست جزيرة معزولة عن الدولة؛ هي جزء من بنيتها المستقبلية. وما يخرج من مختبراتها وقاعاتها ومراكزها البحثية سيعود أثره على المجتمع الأردني بأكمله.
لهذا، فإن الإنجاز الحقيقي لا يقاس فقط بما حققته الجامعة اليوم، بل بما ستتركه هذه المرحلة من أثر في الأردن بعد سنوات. فإذا خرج منها جيل أكثر معرفة ومهارة وقدرة على الابتكار، وإذا تحول البحث العلمي إلى حلول وفرص، وإذا أصبحت الجامعة أكثر اتصالا بالاقتصاد والمجتمع، فإن الاستثمار في الجامعة يكون قد تحول إلى استثمار مباشر في مستقبل الوطن.
وهنا تكمن أهمية الجهود التي يقودها الدكتور نذير عبيدات: أن تتحول الجامعة الأردنية من مؤسسة تصنع الخريج إلى مؤسسة تسهم في صناعة الأردن الذي نريده غدا.
فمستقبل الأردن لن يبنى بالموارد وحدها، ولا بالشعارات، بل بالعقول التي تتعلم وتبحث وتبتكر وتعمل. والجامعة الأردنية، بتاريخها ومكانتها، تملك موقعا أساسيا في هذه المعادلة.
إن تطوير الجامعة ليس ترفا أكاديميا، بل قضية وطنية؛ لأن الأردن الذي يريد أن ينافس في المستقبل يحتاج إلى جامعة قادرة على المنافسة اليوم.
وهنا يصبح كل إنجاز جامعي أكثر من خبر عابر؛ يصبح لبنة في بناء أردن أكثر معرفة، وأكثر قدرة على الإنتاج، وأكثر استعدادا لمستقبل لا ينتظر أحدا.




