آخر الأخبار
حسام حسن: مصر بها 120 مليون .. والمنتخب "لا يقف على أحد"أكرم جروان يُهنئ أنس سعيد القضاة بالمنصب الجديدالاتحاد الأوروبي يتوقع أن تكون أسعار الطاقة "مرتفعة للغاية" هذا الشتاءمانشستر سيتي يرد على قرار لجنة الدوري الإنجليزي150 شخصية عربية يزورون المناطق السياحية بمحافظة اربدالسعودية: حل الدولتين السبيل الوحيد لتحقيق السلامرضائي عن مقترح الـ 7 أيام: أبلغنا شروطنا .. وترامب في أزمةأميركا تفرض عقوبات على 10 أفراد وكيانات لشراء أسلحة لإيرانولي العهد يبحث فرص التعاون مع قادة مؤسسات تكنولوجية في نيويوركصندوق تكافل عشيرة الخريسات يطلق مبادرة «وفاء لكبارنا»… لأنّ الجميل لا يُنسى
رأي

" حين تكون الفتوى مرجعًا ، لا ساحةً للجدل " وزير الأوقاف بين مسؤولية الكلمة وهيبة المؤسسة الدينية .

منذ 40 دقيقة6 دقائق قراءة
التحكم بالخط:
"  حين تكون الفتوى مرجعًا ، لا ساحةً للجدل "  وزير الأوقاف بين مسؤولية الكلمة وهيبة المؤسسة الدينية .
د . نسيم أبو خضير
بقلمد . نسيم أبو خضيركاتب مقال · مقالان
كل مقالات الكاتب

ليس من الإنصاف أن تتحول المؤسسات الدينية ، التي تضطلع بمسؤولية حماية الوعي الشرعي وصيانة الخطاب الديني من الإضطراب ، إلى هدف لحملات الهجوم لمجرد أن أحد موظفيها طرح رأيًا أو تناول موضوعًا شرعيًا مستجدًا ، ولا سيما حين يتعلق الأمر بقضية سبق أن تصدى لها مجلس الإفتاء العام ، وبحثها علماؤه والمختصون ، وأصدروا بشأنها فتوى شرعية .

إنَّ ما يتعرض له وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية من إنتقادات وهجوم على خلفية ما أُثير حول موضوع التبرع بالأعضاء ، يستدعي وقفة مسؤولة ومتزنة ، لا تنطلق من الدفاع عن الأشخاص لمجرد مواقعهم ، ولا من إغلاق باب النقاش والإجتهاد ، وإنما من إحترام المؤسسات الشرعية المختصة ، والتمييز بين الحوار العلمي المسؤول وبين إثارة الجدل الذي قد يربك الناس ويضعف ثقتهم بمرجعياتهم الدينية .

فالقضية ليست قضية وزير يُدافع عنه ، أو موظف يُحاسب ، بل قضية منهج في التعامل مع الفتوى ، وإحترام الإختصاص ، وصون المجتمع من تضارب الخطابات الدينية غير المنضبطة .

أولًا : الفتوى الشرعية ليست رأيًا عابرًا على منصات التواصل .

إنَّ من القضايا التي تستوجب الوعي والمسؤولية أن ندرك الفرق بين الرأي الشخصي ، والبحث العلمي ، والفتوى الصادرة عن جهة شرعية مختصة .

فدائرة الإفتاء العام في المملكة الأردنية الهاشمية ليست مؤسسة شكلية ، بل هي المرجعية الرسمية المعنية بتنظيم شؤون الفتوى ، وإعداد الدراسات الشرعية المتعلقة بالقضايا المستجدة ، والتعاون مع علماء الشريعة في معالجة المسائل التي تحتاج إلى بحث وتأصيل .

وقد سبق لمجلس الإفتاء والبحوث والدراسات الإسلامية أن بحث قضية التبرع بالأعضاء البشرية ، وأصدر بشأنها فتوى بجواز التبرع بالأعضاء ضمن ضوابط شرعية محددة ، تراعي حرمة الإنسان وكرامته ، وتحفظ حقوق المتبرع والمريض ، وتوازن بين المقاصد الشرعية والمقتضيات الطبية ، وقد قمنا في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون بمناقشة هذا الموضوع مناقشة وافية ضمن حلقات تلفزيونية وإذاعية مع مفتي عام المملكة وعدد كبير من علماء الشريعة والطب .

وهذا يؤكد أن القضية ليست مسألة تُترك للإنطباعات الشخصية ، أو تُحسم بمنشور على وسائل التواصل الإجتماعي ، وإنما هي مسألة شرعية وطبية لها تفاصيلها وشروطها ومقتضياتها .

ومن هنا ، فإنَّ إحترام الفتوى الصادرة عن المرجعية المختصة يقتضي عدم التعامل معها بإستخفاف ، أو تقديم آراء فردية للعامة وكأنها أحكام شرعية بديلة ، من دون علم راسخ أو بحث مستوفٍ أو رجوع إلى أهل الإختصاص .

قال الله تعالى :

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ \[النحل: 43].

إنها قاعدة قرآنية عظيمة في إسناد العلم إلى أهله ، والرجوع إلى أصحاب الإختصاص ، وعدم تحويل القضايا العلمية والشرعية إلى ساحة تتنازع فيها الآراء أمام الجمهور .

ثانيًا : وزير الأوقاف ليس مسؤولًا عن كل إجتهاد فردي لموظف .

من مقتضيات العدالة الإدارية أن نُميّز بين المسؤولية المؤسسية والمسؤولية الفردية ، وألا نحمل الوزير تبعات كل كلمة تصدر عن موظف في وزارته ، قبل التحقق من ملابساتها وسياقها وطبيعتها .

فالوزارة مؤسسة لها إختصاصاتها ومسؤولياتها ، والموظف فرد يعمل ضمنها ، وقد يصدر عنه تصرف يستوجب التوضيح أو المراجعة أو المساءلة وفق الأنظمة والتعليمات المعمول بها . لكنَّ تحويل تصرف فردي إلى حملة تستهدف الوزير شخصيًا ، من دون التثبت من الوقائع وتحديد المسؤوليات ، لا ينسجم مع مبادئ العدالة والإنصاف .

إنَّ الإدارة الرشيدة لا تقوم على حماية الأخطاء ، كما لا تقوم على إدانة المسؤولين تحت ضغط الإنفعال الجماهيري ، بل تقوم على التحقق ، والإستماع إلى الأطراف المعنية ، وتحديد المسؤولية ، وإتخاذ الإجراء المناسب وفق القانون .

وإذا كانت هناك ملاحظات على ما صدر عن الموظف ، فإنَّ الطريق الصحيح هو الرجوع إلى الوزارة والجهة الشرعية المختصة ، لمعرفة حقيقة ما جرى ، ومدى توافق التصرف مع الإختصاصات والتعليمات ، ثم معالجة الأمر بمهنية وموضوعية .

فالعدالة لا تعني أن يكون المسؤول فوق المساءلة ، كما لا تعني أن يصبح المسؤول هدفًا للهجوم بعد إستكمال التحقيق .

ثالثًا : الإختلاف العلمي يُعالَج بالحوار ، لا بإرباك العامة بأحكام لاتستند الى الدليل .

إنَّ من أخطر ما يمكن أن يحدث في القضايا الدينية أن تتحول المسألة الواحدة إلى خطابات متعارضة يتلقاها الناس من دون معرفة بمصادرها ، أو بأدلتها ، أو بحدود الإختصاص فيها .

فالعامة حين يشاهدون سجالًا محتدمًا حول فتوى شرعية قد يختلط عليهم الرأي بالحكم ، والإجتهاد الفردي بالفتوى المؤسسية ، والإعتراض العلمي المسؤول بالتشكيك غير المستند إلى دليل .

وهنا تبرز مسؤولية العلماء والدعاة والإعلاميين والموظفين العموميين في إختيار أساليب الحوار التي تحفظ وعي المجتمع ، ولا تُدخل الناس في حالة من الحيرة والإضطراب .

ولا يعني ذلك إغلاق باب السؤال أو منع البحث العلمي ، فالسؤال حق ، والمراجعة العلمية مطلوبة ، ومناقشة الفتاوى بالحجة والدليل أمر يمكن أن يخدم العلم ويُثري المعرفة . لكنَّ ذلك كله ينبغي أن يتم عبر القنوات المختصة ، وباللغة العلمية الرصينة ، وبعيدًا عن التهييج والتشهير والتسرع في إطلاق الأحكام .

فإذا كان لدى أي شخص إعتراض على فتوى التبرع بالأعضاء ، أو إستفسار بشأن شروطها وضوابطها ، فإنَّ الأولى أن يتقدم به إلى دائرة الإفتاء العام ، وأن يناقش المسألة مع علمائها والمختصين فيها ، بدلًا من طرحها في صورة سجال مفتوح قد يفهم منه الناس أن المرجعيات الشرعية لا وزن لها .

قال الله تعالى :

﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36 ].

إنها مسؤولية الكلمة ، ومسؤولية العلم ، ومسؤولية الأثر الذي تتركه مواقفنا في عقول الناس ووجدانهم .

رابعًا : وزارة الأوقاف مؤسسة وطنية ودينية تستحق الإنصاف

إنَّ وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية تضطلع بمسؤوليات تتجاوز العمل الإداري التقليدي ، فهي معنية بالمساجد ، والخطاب الديني ، ورعاية شؤون الوقف ، وتعزيز قيم الوسطية والإعتدال ، وترسيخ الوعي الشرعي لدى المجتمع .

ومن حق المجتمع أن يطالبها بأعلى درجات المهنية والوضوح ، ومن واجبها أن تتعامل مع الملاحظات بجدية وشفافية ، وأن توضح للرأي العام ما يحتاج إلى توضيح. لكنَّ من واجب المجتمع أيضًا أن يمنح المؤسسات فرصة معالجة المسائل وفق الأصول ، وألا يستعجل إصدار الأحكام أو تعميم المسؤولية .

إنَّ دعم المؤسسات لا يعني تقديس الأشخاص ، وإحترام الوزير لا يعني تعطيل النقد ، كما أنَّ ممارسة النقد لا تبرر التجريح أو التشهير أو تحميل المسؤولية لمن لم تثبت مسؤوليته .

وإذا كان هناك خطأ ، فليُحدَّد بدقة ، وإذا كانت هناك مخالفة ، فلتُعالج وفق الأصول ، وإذا كان هناك التباس في مسألة شرعية ، فلتُوضَّح من خلال أهل الإختصاص ، لا من خلال السوشال ميديا .

فالدولة تحترم مؤسساتها ولا تمنع مساءلتها ، وإنما تجعل المساءلة قائمة على الدليل ، والإختصاص ، والعدالة ، وإحترام القانون .

وفي قضية التبرع بالأعضاء على وجه الخصوص ، ينبغي أن يبقى النقاش مرتبطًا بحقيقة الفتوى الصادرة عن الجهات المختصة ، وبشروطها الشرعية والطبية والقانونية ، بعيدًا عن الإختزال أو التعميم أو توظيف القضية لتصفية الحسابات مع مسؤول أو مؤسسة .

ولنتذكر جميعًا أن الكلمة أمانة ، وأن النقد مسؤولية ، وأن الإصلاح لا يكون بالتشهير ، وإنما بالعلم والإنصاف والحكمة .

حفظ الله الأردن ، وحفظ مؤسساته الدينية والوطنية ، ووفق القائمين عليها لما فيه خير الوطن والمواطن ، وجعل الحوار سبيلًا للإصلاح ، والإختلاف بابًا للعلم ، والعدل ميزانًا نحكم به على الأشخاص والمواقف .

أحدث مقالاته

المزيد في قسم مقالات

الأكثر قراءة

الأخبار العاجلة

كن الأول في معرفة آخر المستجدات فور حدوثها

ابقَ على اطّلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى واتساب مباشرة فور النشر.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام و سياسة الخصوصية.
+962