ليس من الإنصاف أن تتحول المؤسسات الدينية ، التي تضطلع بمسؤولية حماية الوعي الشرعي وصيانة الخطاب الديني من الإضطراب ، إلى هدف لحملات الهجوم لمجرد أن أحد موظفيها طرح رأيًا أو تناول موضوعًا شرعيًا مستجدًا ، ولا سيما حين يتعلق الأمر بقضية سبق أن تصدى لها مجلس الإفتاء العام ، وبحثها علماؤه والمختصون ، وأصدروا بشأنها فتوى شرعية .
إنَّ ما يتعرض له وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية من إنتقادات وهجوم على خلفية ما أُثير حول موضوع التبرع بالأعضاء ، يستدعي وقفة مسؤولة ومتزنة ، لا تنطلق من الدفاع عن الأشخاص لمجرد مواقعهم ، ولا من إغلاق باب النقاش والإجتهاد ، وإنما من إحترام المؤسسات الشرعية المختصة ، والتمييز بين الحوار العلمي المسؤول وبين إثارة الجدل الذي قد يربك الناس ويضعف ثقتهم بمرجعياتهم الدينية .
فالقضية ليست قضية وزير يُدافع عنه ، أو موظف يُحاسب ، بل قضية منهج في التعامل مع الفتوى ، وإحترام الإختصاص ، وصون المجتمع من تضارب الخطابات الدينية غير المنضبطة .
أولًا : الفتوى الشرعية ليست رأيًا عابرًا على منصات التواصل .
إنَّ من القضايا التي تستوجب الوعي والمسؤولية أن ندرك الفرق بين الرأي الشخصي ، والبحث العلمي ، والفتوى الصادرة عن جهة شرعية مختصة .
فدائرة الإفتاء العام في المملكة الأردنية الهاشمية ليست مؤسسة شكلية ، بل هي المرجعية الرسمية المعنية بتنظيم شؤون الفتوى ، وإعداد الدراسات الشرعية المتعلقة بالقضايا المستجدة ، والتعاون مع علماء الشريعة في معالجة المسائل التي تحتاج إلى بحث وتأصيل .
وقد سبق لمجلس الإفتاء والبحوث والدراسات الإسلامية أن بحث قضية التبرع بالأعضاء البشرية ، وأصدر بشأنها فتوى بجواز التبرع بالأعضاء ضمن ضوابط شرعية محددة ، تراعي حرمة الإنسان وكرامته ، وتحفظ حقوق المتبرع والمريض ، وتوازن بين المقاصد الشرعية والمقتضيات الطبية ، وقد قمنا في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون بمناقشة هذا الموضوع مناقشة وافية ضمن حلقات تلفزيونية وإذاعية مع مفتي عام المملكة وعدد كبير من علماء الشريعة والطب .
وهذا يؤكد أن القضية ليست مسألة تُترك للإنطباعات الشخصية ، أو تُحسم بمنشور على وسائل التواصل الإجتماعي ، وإنما هي مسألة شرعية وطبية لها تفاصيلها وشروطها ومقتضياتها .
ومن هنا ، فإنَّ إحترام الفتوى الصادرة عن المرجعية المختصة يقتضي عدم التعامل معها بإستخفاف ، أو تقديم آراء فردية للعامة وكأنها أحكام شرعية بديلة ، من دون علم راسخ أو بحث مستوفٍ أو رجوع إلى أهل الإختصاص .
قال الله تعالى :
﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ \[النحل: 43].
إنها قاعدة قرآنية عظيمة في إسناد العلم إلى أهله ، والرجوع إلى أصحاب الإختصاص ، وعدم تحويل القضايا العلمية والشرعية إلى ساحة تتنازع فيها الآراء أمام الجمهور .
ثانيًا : وزير الأوقاف ليس مسؤولًا عن كل إجتهاد فردي لموظف .
من مقتضيات العدالة الإدارية أن نُميّز بين المسؤولية المؤسسية والمسؤولية الفردية ، وألا نحمل الوزير تبعات كل كلمة تصدر عن موظف في وزارته ، قبل التحقق من ملابساتها وسياقها وطبيعتها .
فالوزارة مؤسسة لها إختصاصاتها ومسؤولياتها ، والموظف فرد يعمل ضمنها ، وقد يصدر عنه تصرف يستوجب التوضيح أو المراجعة أو المساءلة وفق الأنظمة والتعليمات المعمول بها . لكنَّ تحويل تصرف فردي إلى حملة تستهدف الوزير شخصيًا ، من دون التثبت من الوقائع وتحديد المسؤوليات ، لا ينسجم مع مبادئ العدالة والإنصاف .
إنَّ الإدارة الرشيدة لا تقوم على حماية الأخطاء ، كما لا تقوم على إدانة المسؤولين تحت ضغط الإنفعال الجماهيري ، بل تقوم على التحقق ، والإستماع إلى الأطراف المعنية ، وتحديد المسؤولية ، وإتخاذ الإجراء المناسب وفق القانون .
وإذا كانت هناك ملاحظات على ما صدر عن الموظف ، فإنَّ الطريق الصحيح هو الرجوع إلى الوزارة والجهة الشرعية المختصة ، لمعرفة حقيقة ما جرى ، ومدى توافق التصرف مع الإختصاصات والتعليمات ، ثم معالجة الأمر بمهنية وموضوعية .
فالعدالة لا تعني أن يكون المسؤول فوق المساءلة ، كما لا تعني أن يصبح المسؤول هدفًا للهجوم بعد إستكمال التحقيق .
ثالثًا : الإختلاف العلمي يُعالَج بالحوار ، لا بإرباك العامة بأحكام لاتستند الى الدليل .
إنَّ من أخطر ما يمكن أن يحدث في القضايا الدينية أن تتحول المسألة الواحدة إلى خطابات متعارضة يتلقاها الناس من دون معرفة بمصادرها ، أو بأدلتها ، أو بحدود الإختصاص فيها .
فالعامة حين يشاهدون سجالًا محتدمًا حول فتوى شرعية قد يختلط عليهم الرأي بالحكم ، والإجتهاد الفردي بالفتوى المؤسسية ، والإعتراض العلمي المسؤول بالتشكيك غير المستند إلى دليل .
وهنا تبرز مسؤولية العلماء والدعاة والإعلاميين والموظفين العموميين في إختيار أساليب الحوار التي تحفظ وعي المجتمع ، ولا تُدخل الناس في حالة من الحيرة والإضطراب .
ولا يعني ذلك إغلاق باب السؤال أو منع البحث العلمي ، فالسؤال حق ، والمراجعة العلمية مطلوبة ، ومناقشة الفتاوى بالحجة والدليل أمر يمكن أن يخدم العلم ويُثري المعرفة . لكنَّ ذلك كله ينبغي أن يتم عبر القنوات المختصة ، وباللغة العلمية الرصينة ، وبعيدًا عن التهييج والتشهير والتسرع في إطلاق الأحكام .
فإذا كان لدى أي شخص إعتراض على فتوى التبرع بالأعضاء ، أو إستفسار بشأن شروطها وضوابطها ، فإنَّ الأولى أن يتقدم به إلى دائرة الإفتاء العام ، وأن يناقش المسألة مع علمائها والمختصين فيها ، بدلًا من طرحها في صورة سجال مفتوح قد يفهم منه الناس أن المرجعيات الشرعية لا وزن لها .
قال الله تعالى :
﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36 ].
إنها مسؤولية الكلمة ، ومسؤولية العلم ، ومسؤولية الأثر الذي تتركه مواقفنا في عقول الناس ووجدانهم .
رابعًا : وزارة الأوقاف مؤسسة وطنية ودينية تستحق الإنصاف
إنَّ وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية تضطلع بمسؤوليات تتجاوز العمل الإداري التقليدي ، فهي معنية بالمساجد ، والخطاب الديني ، ورعاية شؤون الوقف ، وتعزيز قيم الوسطية والإعتدال ، وترسيخ الوعي الشرعي لدى المجتمع .
ومن حق المجتمع أن يطالبها بأعلى درجات المهنية والوضوح ، ومن واجبها أن تتعامل مع الملاحظات بجدية وشفافية ، وأن توضح للرأي العام ما يحتاج إلى توضيح. لكنَّ من واجب المجتمع أيضًا أن يمنح المؤسسات فرصة معالجة المسائل وفق الأصول ، وألا يستعجل إصدار الأحكام أو تعميم المسؤولية .
إنَّ دعم المؤسسات لا يعني تقديس الأشخاص ، وإحترام الوزير لا يعني تعطيل النقد ، كما أنَّ ممارسة النقد لا تبرر التجريح أو التشهير أو تحميل المسؤولية لمن لم تثبت مسؤوليته .
وإذا كان هناك خطأ ، فليُحدَّد بدقة ، وإذا كانت هناك مخالفة ، فلتُعالج وفق الأصول ، وإذا كان هناك التباس في مسألة شرعية ، فلتُوضَّح من خلال أهل الإختصاص ، لا من خلال السوشال ميديا .
فالدولة تحترم مؤسساتها ولا تمنع مساءلتها ، وإنما تجعل المساءلة قائمة على الدليل ، والإختصاص ، والعدالة ، وإحترام القانون .
وفي قضية التبرع بالأعضاء على وجه الخصوص ، ينبغي أن يبقى النقاش مرتبطًا بحقيقة الفتوى الصادرة عن الجهات المختصة ، وبشروطها الشرعية والطبية والقانونية ، بعيدًا عن الإختزال أو التعميم أو توظيف القضية لتصفية الحسابات مع مسؤول أو مؤسسة .
ولنتذكر جميعًا أن الكلمة أمانة ، وأن النقد مسؤولية ، وأن الإصلاح لا يكون بالتشهير ، وإنما بالعلم والإنصاف والحكمة .
حفظ الله الأردن ، وحفظ مؤسساته الدينية والوطنية ، ووفق القائمين عليها لما فيه خير الوطن والمواطن ، وجعل الحوار سبيلًا للإصلاح ، والإختلاف بابًا للعلم ، والعدل ميزانًا نحكم به على الأشخاص والمواقف .










































