آخر الأخبار
القلعة نيوز تتجول لأول مرة بقسم الكلى بالمقاصد ويضم ( 22 ) سريرا حديثا ( صور )الخلايلة عن الترشح لرئاسة النواب: لم أقرر بعدالعيسوي يشارك في تشييع جثمان المرحوم سلامة الحجايامصرع وإصابة 4 أشخاص بحادث تحطم مروحية بولاية كاليفورنيامرصد أكيد: 94 إشاعة في أيلول بمعدل 3 يوميااللواء المعايطة يلتقي السفير الكويتي ويبحثان تعزيز التعاون الأمني والشرطيالنفط يصعد 2% متجاوزا مستوى 100 دولار للبرميلبورصة عمان في 2025 .. صعود قياسي وأداء استثنائي توج بجائزة البورصات العربيةالملكاوي يتفقد إعادة زراعة الاشجار المنقولة من الارصفة للمشاتلالإمارات تشكل فريقا للتحقيق في واقعة طائرة "فلاي دبي"
رأي

المَنَاهِجُ التَّعْلِيمِيَّةِ الْأُرْدُنِّيَّةِ: أَهِيَ مُعَرَّبَةٌ أَمْ مُغَرَّبَةٌ؟!

منذ 51 دقيقة5 دقائق قراءة
التحكم بالخط:

لَيْسَ السُّؤَالُ عَنْ مَسَارِ الْمَنَاهِجِ التَّعْلِيمِيَّةِ الْأُرْدُنِّيَّةِ: أَهِيَ مُعَرَّبَةٌ أَمْ مُغَرَّبَةٌ؟ هُوَ فِي جَوْهَرِهِ سُؤَالًا عَنْ هُوِيَّةِ التَّعْلِيمِ وَوَظِيفَتِهِ وَمَآلَاتِهِ، وَعَنْ نَوْعِ الْإِنْسَانِ الَّذِي نُرِيدُ أَنْ تُسْهِمَ الْمَدْرَسَةُ الْأُرْدُنِّيَّةُ فِي بِنَائِهِ.

فَالْمَنْهَجُ الْحَدِيثُ لَيْسَ مُجَرَّدَ كِتَابٍ دِرَاسِيٍّ، وَلَا قَائِمَةً مِنَ الْمَوْضُوعَاتِ وَالْمَعَارِفِ، بَلْ هُوَ تَصَوُّرٌ مُتَكَامِلٌ لِمَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَلَّمَهُ الطَّالِبُ، وَكَيْفَ يَتَعَلَّمُهُ، وَلِمَاذَا يَتَعَلَّمُهُ، وَكَيْفَ يُحَوِّلُ مَا تَعَلَّمَهُ إِلَى كَفَايَةٍ وَسُلُوكٍ وَإِنْجَازٍ وَأَثَرٍ.

وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ مُعَالَجَةَ الْمَنَاهِجِ الْأُرْدُنِّيَّةِ بِمَنْطِقِ «التَّعْرِيبِ أَمِ التَّغْرِيبِ؟» قَدْ تُضَيِّقُ سُؤَالًا تَرْبَوِيًّا أَوْسَعَ وَأَعْمَقَ. فَالتَّعْرِيبُ لَا يَعْنِي الِانْكِفَاءَ عَلَى الذَّاتِ، وَالِانْفِتَاحُ عَلَى الْمَعْرِفَةِ الْعَالَمِيَّةِ لَا يَعْنِي التَّغْرِيبَ بِالضَّرُورَةِ.

وَالْقَضِيَّةُ الْأَكْثَرُ دِقَّةً هِيَ: كَيْفَ نَبْنِي مَنْهَجًا أُرْدُنِّيًّا حَدِيثًا، يَسْتَمِدُّ مَرْجِعِيَّتَهُ مِنْ هُوِيَّةِ الْمُجْتَمَعِ، وَيَسْتَفِيدُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ مِنْ أَحْدَثِ الِاتِّجَاهَاتِ الْعَالَمِيَّةِ فِي بِنَاءِ الْمَعْرِفَةِ وَالْمَهَارَاتِ وَالتَّعَلُّمِ؟

إِنَّ الْمَنْهَجَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَمَّى حَدِيثًا لَا يَقِيسُ نَجَاحَهُ بِكَمِّيَّةِ الْمَعْلُومَاتِ الَّتِي يَسْتَطِيعُ الطَّالِبُ اسْتِظْهَارَهَا، بَلْ بِقُدْرَتِهِ عَلَى تَوْظِيفِهَا فِي مَوَاقِفَ جَدِيدَةٍ، وَتَحْلِيلِ الْمُشْكِلَاتِ، وَإِنْتَاجِ الْأَفْكَارِ، وَالْعَمَلِ مَعَ الْآخَرِينَ، وَاتِّخَاذِ الْقَرَارَاتِ الْمَسْؤُولَةِ.

فَالْتَّحَوُّلُ الْحَقِيقِيُّ فِي الْمَنَاهِجِ لَا يَكْمُنُ فِي تَغْيِيرِ الْمُحْتَوَى وَحْدَهُ، بَلْ فِي الِانْتِقَالِ مِنْ مَنْطِقِ «مَاذَا يَحْفَظُ الطَّالِبُ؟» إِلَى مَنْطِقِ «مَاذَا يَسْتَطِيعُ الطَّالِبُ أَنْ يَفْعَلَ بِمَا تَعَلَّمَهُ؟».

وَهُنَا تَبْرُزُ أَهَمِّيَّةُ الِانْتِقَالِ مِنَ الْمَنْهَجِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْمُحْتَوَى إِلَى الْمَنْهَجِ الْمَبْنِيِّ عَلَى نَوَاتِجِ التَّعَلُّمِ وَالْكِفَايَاتِ. فَالْمَعْرِفَةُ تَظَلُّ أَسَاسًا لَا غِنَى عَنْهُ، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَعُدْ كَافِيَةً بِمُفْرَدِهَا. وَالْمَطْلُوبُ هُوَ تَكَامُلُ الْمَعْرِفَةِ وَالتَّفْكِيرِ وَالْمَهَارَةِ وَالْقِيمَةِ، بِحَيْثُ يَخْرُجُ الطَّالِبُ مِنَ الْمَدْرَسَةِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى التَّعَلُّمِ الْمُسْتَمِرِّ، وَالِابْتِكَارِ، وَالْتَّوَاصُلِ، وَالْتَّكَيُّفِ، وَالْمُشَارَكَةِ الْمُجْتَمَعِيَّةِ، وَالتَّعَامُلِ الْوَاعِيِ مَعَ التَّغَيُّرَاتِ الْمُتَسَارِعَةِ.

وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، لَا يَنْبَغِي أَنْ تُفْهَمَ الْهُوِيَّةُ الْوَطَنِيَّةُ عَلَى أَنَّهَا قَيْدٌ عَلَى تَطَوُّرِ الْمَنْهَجِ، بَلْ مَرْجِعِيَّةٌ تُسَاعِدُهُ عَلَى تَحْدِيدِ مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعَلَّمَ، وَكَيْفَ يُقَدَّمُ، وَمَا الْقِيَمُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تُصَاحِبُ الْمَعْرِفَةَ.

فَالطَّالِبُ الْأُرْدُنِّيُّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَنْهَجٍ يَفْصِلُهُ عَنْ بِيئَتِهِ، وَلَا إِلَى مَنْهَجٍ يَعْزِلُهُ عَنِ الْعَالَمِ، بَلْ إِلَى مَنْهَجٍ يُمَكِّنُهُ مِنْ فَهْمِ ذَاتِهِ وَمُجْتَمَعِهِ، ثُمَّ يَمْنَحُهُ أَدَوَاتِ فَهْمِ الْعَالَمِ وَالْمُسَاهَمَةِ فِيهِ.

وَلَعَلَّ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ هِيَ أَكْثَرُ الْقَضَايَا حَسَاسِيَّةً فِي هَذَا السِّيَاقِ. فَالْعَرَبِيَّةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ وَسِيلَةٍ لِلتَّوَاصُلِ، بَلْ أَدَاةٌ لِبِنَاءِ الْمَفَاهِيمِ وَالتَّفْكِيرِ وَالْهُوِيَّةِ وَالذَّاكِرَةِ الثَّقَافِيَّةِ. وَإِضْعَافُ قُدْرَةِ الطَّالِبِ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَالتَّعْبِيرِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِلُغَتِهِ الْأُمِّ لَا يُعَدُّ مُشْكِلَةً لُغَوِيَّةً فَقَطْ، بَلْ يَمَسُّ جَوْهَرَ التَّعَلُّمِ وَالْفَهْمِ وَالتَّفْكِيرِ.

وَلَكِنْ، فِي الْمُقَابِلِ، لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ حِمَايَةُ الْعَرَبِيَّةِ مَبْرِّرًا للتقليل مِنْ أَهَمِّيَّةِ اللُّغَاتِ الْأَجْنَبِيَّةِ.

فَالطَّالِبُ الْمُعَاصِرُ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِنْ لُغَتِهِ الْعَرَبِيَّةِ، وَقَادِرًا فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ عَلَى النَّفَاذِ إِلَى الْمَعْرِفَةِ الْعَالَمِيَّةِ مِنْ خِلَالِ لُغَاتٍ أُخْرَى. وَالْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي تَعَلُّمِ الْإِنْجِلِيزِيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا، بَلْ فِي أَنْ تَتَحَوَّلَ اللُّغَةُ الْأَجْنَبِيَّةُ مِنْ أَدَاةٍ لِلنَّفَاذِ إِلَى الْمَعْرِفَةِ إِلَى مَعْيَارٍ لِقِيمَةِ الْمَعْرِفَةِ نَفْسِهَا.

إِنَّ الْمَنْهَجَ الْأُرْدُنِّيَّ الْمُعَاصِرَ بِحَاجَةٍ إِلَى أَنْ يَبْنِيَ «ثُنَائِيَّةً مُتَوَازِنَةً»: جُذُورٌ ثَقَافِيَّةٌ رَاسِخَةٌ، وَآفَاقٌ مَعْرِفِيَّةٌ عَالَمِيَّةٌ.

فَالطَّالِبُ الَّذِي يَعْرِفُ تَارِيخَ بِلَادِهِ وَجُغْرَافِيَّتَهَا وَثَقَافَتَهَا، وَيَفْهَمُ قَضَايَاهَا وَتَحَدِّيَاتِهَا، يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ قَادِرًا عَلَى قِرَاءَةِ الْبُحُوثِ الْعَالَمِيَّةِ، وَاسْتِخْدَامِ التِّقْنِيَاتِ الْحَدِيثَةِ، وَالتَّعَامُلِ مَعَ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ، وَالِانْخِرَاطِ فِي بِيئَةٍ عَالَمِيَّةٍ لِإِنْتَاجِ الْمَعْرِفَةِ.

وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ إِدْمَاجَ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ فِي الْمَنَاهِجِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقِفَ عِنْدَ تَعْلِيمِ الطَّالِبِ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُ أَدَاةً ذَكِيَّةً؛ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُعَلِّمَهُ كَيْفَ يُقَيِّمُ مَا تُنْتِجُهُ هَذِهِ الْأَدَوَاتُ، وَيَتَحَقَّقُ مِنْ صِحَّةِ الْمَعْلُومَاتِ، وَيُدْرِكُ حُدُودَهَا، وَيَحْتَرِمُ الْمِلْكِيَّةَ الْفِكْرِيَّةَ، وَيَتَحَمَّلُ مَسْؤُولِيَّةَ مَا يَنْتُجُ عَنْ اسْتِخْدَامِهَا.

فَالْمَنْهَجُ الْمُسْتَقْبَلِيُّ لَا يُعَلِّمُ الطَّالِبَ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُ التِّقْنِيَةَ فَقَطْ، بَلْ كَيْفَ يُفَكِّرُ فِي التِّقْنِيَةِ وَيَسْتَخْدِمُهَا بِمَسْؤُولِيَّةٍ.

وَالْأَمْرُ نَفْسُهُ يَنْطَبِقُ عَلَى الْمَعْرِفَةِ الْعَالَمِيَّةِ. فَلَيْسَ الْمَطْلُوبُ أَنْ نَسْتَوْرِدَ نَمَاذِجَ تَرْبَوِيَّةً جَاهِزَةً، ثُمَّ نُعِيدَ تَقْدِيمَهَا لِلطَّالِبِ الْأُرْدُنِّيِّ بِالصُّورَةِ نَفْسِهَا. فَالنَّقْلُ غَيْرُ النَّقْدِ، وَالِاقْتِبَاسُ غَيْرُ الِاسْتِنْسَاخِ، وَالِانْفِتَاحُ غَيْرُ التَّبَعِيَّةِ.

وَالْمَنْهَجُ الْقَوِيُّ هُوَ الَّذِي يَأْخُذُ مِنَ التَّجَارِبِ الْعَالَمِيَّةِ مَا يُثْبِتُ فَاعِلِيَّتَهُ، ثُمَّ يُكَيِّفُهُ مَعَ السِّيَاقِ الْأُرْدُنِّيِّ بَعْدَ اخْتِبَارِهِ وَتَقْوِيمِهِ.

وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ تَطْوِيرَ الْمَنَاهِجِ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْهَجِيَّةٍ عِلْمِيَّةٍ لَا إِلَى قَرَارَاتٍ انْطِبَاعِيَّةٍ. يَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ التَّطْوِيرُ بِتَحْلِيلِ حَاجَاتِ الْمُجْتَمَعِ، وَدِرَاسَةِ نَوَاتِجِ التَّعَلُّمِ، وَتَحْدِيدِ الْفَجَوَاتِ الْمَعْرِفِيَّةِ وَالْمَهَارِيَّةِ، وَالِاسْتِفَادَةِ مِنْ أَدِلَّةِ التَّعَلُّمِ وَالْبُحُوثِ التَّرْبَوِيَّةِ، ثُمَّ تَجْرِيبِ الْمَنْهَجِ فِي بِيئَاتٍ تَعْلِيمِيَّةٍ مُمَثِّلَةٍ، وَقِيَاسِ أَثَرِهِ، وَمُرَاجَعَتِهِ قَبْلَ التَّوَسُّعِ فِي تَطْبِيقِهِ.

وَهُنَا تَظْهَرُ أَهَمِّيَّةُ الْمُعَلِّمِ؛ فَلَا يُمْكِنُ لِأَيِّ مَنْهَجٍ، مَهْمَا بَلَغَتْ جَوْدَةُ تَصْمِيمِهِ، أَنْ يُحَقِّقَ نَوَاتِجَهُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمُعَلِّمُ قَادِرًا عَلَى تَفْسِيرِهِ وَتَطْبِيقِهِ وَتَكْيِيفِهِ مَعَ احْتِيَاجَاتِ طُلَّابِهِ.

فَإِصْلَاحُ الْمَنَاهِجِ مِنْ دُونِ إِصْلَاحِ مُمَارَسَاتِ التَّدْرِيسِ وَالتَّقْوِيمِ يُبْقِي الْفَجْوَةَ قَائِمَةً بَيْنَ «الْمَنْهَجِ الْمُخَطَّطِ» وَ«الْمَنْهَجِ الْمُطَبَّقِ».

وَلَا يَقِلُّ التَّقْوِيمُ أَهَمِّيَّةً عَنْ ذَلِكَ؛ فَإِذَا ظَلَّ الِامْتِحَانُ يُكَافِئُ الْحِفْظَ أَكْثَرَ مِنَ الْفَهْمِ، فَإِنَّ الطَّالِبَ سَيَسْتَمِرُّ فِي التَّعَلُّمِ مِنْ أَجْلِ الِامْتِحَانِ، وَلَيْسَ مِنْ أَجْلِ الْمَعْرِفَةِ.

وَإِذَا كُنَّا نُرِيدُ طَالِبًا بَاحِثًا وَمُبْتَكِرًا وَقَادِرًا عَلَى حَلِّ الْمُشْكِلَاتِ، فَلَا بُدَّ أَنْ نَقِيسَ هَذِهِ الْقُدُرَاتِ فِي مَهَامَّ أَدَائِيَّةٍ وَمَشْرُوعَاتٍ وَمَوَاقِفَ حَقِيقِيَّةٍ، لَا فِي اخْتِبَارَاتٍ تَقِيسُ جُزْءًا مَحْدُودًا مِنَ التَّعَلُّمِ.

كَمَا أَنَّ تَطْوِيرَ الْمَنَاهِجِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَهَمَّةَ خُبَرَاءِ الْمَنَاهِجِ وَحْدَهُمْ. فَالْمُعَلِّمُ يَعْرِفُ مَا يَحْدُثُ فِي الصَّفِّ، وَالطَّالِبُ يَعِيشُ تَجْرِبَةَ التَّعَلُّمِ، وَالْأُسْرَةُ تَرَى أَثَرَهَا، وَالْجَامِعَةُ وَسُوقُ الْعَمَلِ يَكْشِفَانِ مَدَى جَاهِزِيَّةِ الْخَرِيجِ لِلْمَرْحَلَةِ التَّالِيَةِ. وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ تَصْمِيمَ الْمَنْهَجِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَمَلًا تَشَارُكِيًّا قَائِمًا عَلَى الْأَدِلَّةِ وَالتَّجْرِبَةِ وَالتَّقْوِيمِ الْمُسْتَمِرِّ.

إِنَّ الْمَطْلُوبَ لَيْسَ مَنْهَجًا «مُعَرَّبًا» بِمَعْنَى الِاكْتِفَاءِ بِمُحْتَوًى مَحَلِّيٍّ، وَلَا مَنْهَجًا «مُغَرَّبًا» بِمَعْنَى اسْتِنْسَاخِ تَجَارِبَ الْآخَرِينَ؛ بَلْ مَنْهَجٌ أُرْدُنِّيٌّ يَسْتَمِدُّ مَرْجِعِيَّتَهُ مِنَ الْهُوِيَّةِ، وَيَسْتَنِدُ إِلَى الْمَعْرِفَةِ الْعَالَمِيَّةِ، وَيَسْتَجِيبُ لِحَاجَاتِ الْمُجْتَمَعِ، وَيَسْتَشْرِفُ وَظَائِفَ الْمُسْتَقْبَلِ.

فَالطَّالِبُ الْأُرْدُنِّيُّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَنْهَجٍ يَجْعَلُهُ أَسِيرَ الْمَاضِي، وَلَا إِلَى مَنْهَجٍ يَجْعَلُهُ مُسْتَهْلِكًا لِمَا يُنْتَجُ فِي الْخَارِجِ.

إِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْهَجٍ يُعَلِّمُهُ كَيْفَ يُنْتِجُ الْمَعْرِفَةَ، وَكَيْفَ يَسْتَفِيدُ مِنْهَا، وَكَيْفَ يُحَوِّلُهَا إِلَى حُلُولٍ لِمُشْكِلَاتِ بِلَادِهِ، وَكَيْفَ يَكُونُ مُنْتِجًا فِي الْعَالَمِ دُونَ أَنْ يَفْقِدَ صِلَتَهُ بِمُجْتَمَعِهِ.

وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ السُّؤَالَ الْأَكْثَرَ نُضْجًا لَيْسَ: «تَعْرِيبٌ أَمْ تَغْرِيبٌ؟»، بَلْ: «كَيْفَ نَبْنِي مَنْهَجًا أُرْدُنِّيًّا يَجْمَعُ بَيْنَ أَصَالَةِ الْهُوِيَّةِ وَعَالَمِيَّةِ الْمَعْرِفَةِ، وَبَيْنَ عُمْقِ اللُّغَةِ وَقُدْرَةِ الِانْفِتَاحِ، وَبَيْنَ الْقِيَمِ وَالْمَهَارَاتِ، وَبَيْنَ مَتَطَلَّبَاتِ الْحَاضِرِ وَوَظَائِفِ الْمُسْتَقْبَلِ؟».

إِنَّ الْهُوِيَّةَ الَّتِي تَخَافُ مِنَ الْمَعْرِفَةِ الْعَالَمِيَّةِ هُوِيَّةٌ غَيْرُ وَاثِقَةٍ، وَالِانْفِتَاحَ الَّذِي يَتَنَكَّرُ لِلْجُذُورِ انْفِتَاحٌ يَفْتَقِدُ الْبُوصَلَةَ.

أَمَّا الْمَنْهَجُ الْحَيُّ، فَهُوَ الَّذِي يَجْعَلُ مِنَ الْهُوِيَّةِ مَنْطَلَقًا، وَمِنَ الْمَعْرِفَةِ الْعَالَمِيَّةِ أُفُقًا، وَمِنَ التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ أَدَاةً، وَمِنَ الْمَهَارَةِ قُدْرَةً، وَمِنَ الْقِيَمِ ضَابِطًا، وَمِنَ الِابْتِكَارِ طَرِيقًا إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ.

وَهَذِهِ هِيَ الْمَعَادَلَةُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تُوَجِّهَ تَطْوِيرَ الْمَنَاهِجِ الْأُرْدُنِّيَّةِ: هُوِيَّةٌ لَا تَنْغَلِقُ، وَمَعْرِفَةٌ لَا تَسْتَلْبُ، وَلُغَةٌ تَبْنِي التَّفْكِيرَ، وَتِقْنِيَةٌ تَخْدُمُ الْإِنْسَانَ، وَمَهَارَاتٌ تُحَوِّلُ التَّعَلُّمَ إِلَى إِنْجَازٍ، وَقِيَمٌ تَجْعَلُ الْإِنْجَازَ ذَا مَعْنًى.

عِنْدَهَا لَنْ تَكُونَ الْمَنَاهِجُ الْأُرْدُنِّيَّةُ أَسِيرَةَ ثُنَائِيَّةِ «التَّعْرِيبِ وَالتَّغْرِيبِ»، بَلْ سَتَكُونُ مَشْرُوعًا تَرْبَوِيًّا وَطَنِيًّا مُسْتَقْبَلِيًّا، يَصْنَعُ طَالِبًا يَعْرِفُ مَنْ هُوَ، وَيَفْهَمُ الْعَالَمَ مِنْ حَوْلِهِ، وَيَمْتَلِكُ أَدَوَاتِ الْمُسَاهَمَةِ فِي صِنَاعَةِ الْمُسْتَقْبَلِ.

فَالتَّحَدِّي لَيْسَ أَنْ نَخْتَارَ بَيْنَ «التَّعْرِيبِ» وَ«التَّغْرِيبِ»، وَإِنَّمَا أَنْ نَتَجَاوَزَ هَذَا الِاسْتِقْطَابَ نَحْوَ سُؤَالٍ أَكْثَرَ عُمْقًا: هَلْ نَمْتَلِكُ الْقُدْرَةَ عَلَى صِنَاعَةِ مَنْهَجٍ أُرْدُنِّيٍّ يَسْتَفِيدُ مِنَ الْعَالَمِ، دُونَ أَنْ يَفْقِدَ ذَاتَهُ؛ وَيُرَاهِنُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ، دُونَ أَنْ يَقْطَعَ جُذُورَهُ؟.

وَتِلْكَ، فِي الْحَقِيقَةِ، لَيْسَتْ مُشْكِلَةَ مَنْهَجٍ فَقَطْ، بَلْ مَسْأَلَةُ مُسْتَقْبَلِ إِنْسَانٍ وَوَطَنٍ.

أحدث مقالاته

المزيد في قسم مقالات

الأكثر قراءة

الأخبار العاجلة

كن الأول في معرفة آخر المستجدات فور حدوثها

ابقَ على اطّلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى واتساب مباشرة فور النشر.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام و سياسة الخصوصية.
+962