آخر الأخبار
القلعة نيوز تتجول لأول مرة بقسم الكلى بالمقاصد ويضم ( 22 ) سريرا حديثا ( صور )برايم سينما العبدلي مول استضافت العرض الأول لفيلم «مطلوب عائليًا»مقتل 7 أشخاص وإصابة 4 باستهداف حافلة بالرصاص في ريف حماةبلدية معان تبحث جاهزية الكوادر لموسم الشتاءاليمن يقلب الطاولة ويمطر شباك البحرين بخماسية في خليجي 27وزير البيئة يبحث مع نظيره السوري تعزيز التعاون البيئي والمناخيالإمارات تتصدر مجموعتها وتضرب موعدا مع عمان في كأس الخليجرونالدو يعلن مغادرة معسكر البرتغال بسبب جيسوس .. ويتوعدوزير الدفاع الأميركي يعلن تقليص عدد الجنرالات في الجيش بنسبة 20%تساقط أمطار في الرويشد
رأي

القانونُ الدوليُّ المُسّتبَاحُ ... إسرائيلُ أنموذجٌ عَقِيمّ!!

منذ ساعة واحدة7 دقائق قراءة
التحكم بالخط:

القلعة نيوز- لم يعد السؤال في القضية الفلسطينية: هل توجد قواعد في القانون الدولي؟ فالقواعد موجودة، والمواثيق واضحة، والقرارات الدولية متراكمة، والأحكام والمواقف القانونية صدرت على مدى عقود. لكن السؤال الأكثر إلحاحا اليوم هو: ماذا يفعل العالم عندما تكون القاعدة القانونية واضحة، بينما تظل القدرة على إنفاذها رهينة بموازين القوة والتحالفات والمصالح السياسية؟

هنا تحديدا تتجسد واحدة من أكثر مفارقات النظام الدولي إيلاما؛ قانون يعلن مبادئه بوضوح، ومؤسسات تصدر قراراتها، ومحاكم تقدم تفسيراتها القانونية، ثم يبقى التنفيذ أضعف من النص. وفي الحالة الفلسطينية، تبدو هذه الفجوة بصورة شديدة الوضوح، حتى أصبح احترام القانون الدولي أمام اختبار يتجاوز حدود النزاع نفسه إلى اختبار لمصداقية النظام الدولي برمته.

وليس من الدقة اختزال المسألة في عبارة سياسية عابرة، لأن محكمة العدل الدولية قدمت في رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو 2024 تقييما قانونيا واسعا لسياسات إسرائيل وممارساتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية. وخلصت المحكمة إلى أن استمرار وجود إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 غير قانوني، وربطت ذلك بانتهاك حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة وحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، كما أكدت أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية أقيمت وتستمر في انتهاك القانون الدولي.

وهنا ينبغي التوقف عند المعنى القانوني لهذه الخلاصة. فالمسألة لم تعد مجرد اختلاف سياسي في تفسير الوقائع، بل أصبحت أمام رأي صادر عن أعلى محكمة دولية تابعة للأمم المتحدة، بعد أن درست المحكمة القواعد ذات الصلة بالقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان ومبدأ عدم جواز اكتساب الأرض بالقوة وحق الشعوب في تقرير المصير.

لكن المفارقة تبدأ من اللحظة التي ينتهي فيها النص القانوني وتبدأ معركة التنفيذ.

فالقانون الدولي لا يعمل في فراغ. إنه يتحرك داخل نظام دولي تتداخل فيه الاعتبارات القانونية مع اعتبارات القوة والمصالح والتحالفات. ولذلك يمكن أن يكون الحكم أو القرار الدولي واضحا من الناحية القانونية، بينما تظل آليات إنفاذه محدودة سياسيا. وهذه ليست مشكلة فلسطينية فقط، لكنها في الحالة الفلسطينية أصبحت أنموذجا صارخا للفجوة بين الشرعية الدولية وموازين القوة.

وقد أكد مجلس الأمن في قراره 2334 أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، لا تتمتع بشرعية قانونية، وطالب بوقف الأنشطة الاستيطانية، مؤكدا أن التغييرات التي تجريها إسرائيل في الأراضي المحتلة لا يمكن الاعتراف بها إذا كانت مخالفة للقانون الدولي. ومع ذلك، فإن استمرار الوقائع على الأرض يكشف أن صدور القرار لا يعني بالضرورة القدرة على تنفيذ مضمونه بالسرعة والكفاءة نفسيهما.

وهنا تكمن المشكلة الأكثر عمقا: عندما تصبح القرارات الدولية قابلة للتطبيق بقوة في حالات، ومحدودة الأثر في حالات أخرى، فإن الثقة في عالمية القانون تتعرض للاهتزاز. فالقانون يفقد جزءا من قوته المعنوية عندما يشعر الرأي العام بأن قاعدة واحدة يمكن أن تكون صارمة في مواجهة طرف، ومرنة في مواجهة طرف آخر.

إن جوهر العدالة الدولية ليس أن تكون القواعد موجودة فحسب، وإنما أن تكون عامة ومجردة وقابلة للتطبيق. فالقاعدة التي تحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة لا ينبغي أن تتغير بتغير هوية الدولة المعنية. والحق في تقرير المصير لا ينبغي أن يصبح حقا انتقائيا. وحماية المدنيين في زمن النزاع لا ينبغي أن تكون مرتبطة بمدى قوة الطرف الذي ينتمي إليه هؤلاء المدنيون.

ومن هنا فإن إسرائيل تمثل، في هذا السياق، حالة كاشفة لأزمة أوسع في بنية النظام الدولي. فالمحكمة الدولية خلصت في رأيها الاستشاري إلى أن سياسات إسرائيل وممارساتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك الاستيطان والضم التدريجي وإجراءات مرتبطة بتغيير الواقع الديموغرافي والقانوني، تنتهك قواعد ومبادئ من القانون الدولي. كما قررت أن إسرائيل ملزمة بإنهاء وجودها غير القانوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة بأسرع ما يمكن، ووقف النشاط الاستيطاني الجديد، وإلغاء التدابير التي تخلق الوضع غير القانوني أو تحافظ عليه.

غير أن صدور هذه الخلاصات لا يعني أن المحكمة تمتلك قوة تنفيذية مستقلة تفرض بها نتائج رأيها على أرض الواقع. وهنا يظهر الفرق بين الشرعية القانونية والقوة التنفيذية. فالمحكمة تستطيع تفسير القانون وتحديد المسؤوليات القانونية، لكن تنفيذ النتائج يظل مرتبطا بالمؤسسات الدولية والدول الأعضاء والآليات السياسية المتاحة.

وهذه الفجوة هي التي تجعل القانون الدولي يبدو، في بعض اللحظات، وكأنه يمتلك سلطة أخلاقية وقانونية أكبر من قدرته العملية على تغيير الوقائع.

لكن الخطر الأكبر ليس في ضعف التنفيذ وحده، وإنما في اعتياد العالم عليه.

فالخطر يبدأ عندما تتحول مخالفة القانون إلى واقع متكرر، ثم يصبح الواقع المتكرر أمرا مألوفا، ثم يتحول المألوف إلى أمر يصعب تغييره. وعندها لا يعود القانون هو الذي يصنع الواقع، بل يصبح الواقع هو الذي يضغط على القانون لكي يتكيف معه. وهذا تحديدا ما يجعل قضية الاستيطان والضم وتغيير الواقع على الأرض مسألة تتجاوز حدود الجغرافيا إلى مستقبل فكرة القانون الدولي نفسها.

وقد أشارت محكمة العدل الدولية إلى أن سياسات وممارسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة أحدثت تغييرات في الطابع والوضع القانوني والتركيب الديموغرافي والسلامة الإقليمية للأراضي المحتلة، ورأت أن بعض هذه السياسات والممارسات تؤدي إلى ترسيخ وجود إسرائيلي دائم لا يتفق مع الإطار القانوني للاحتلال.

وهنا تظهر خطورة تحويل الاحتلال المؤقت، في مفهوم القانون الدولي الإنساني، إلى وضع دائم. فالاحتلال في الأصل ليس وسيلة لاكتساب السيادة على الأرض المحتلة. وقد أكدت المحكمة أن الاحتلال لا ينقل ملكية السيادة إلى القوة القائمة بالاحتلال، وأن استمرار السيطرة على الأرض لا يمكن أن يصبح بذاته مصدرا مشروعا للسيادة عليها.

إن المشكلة إذن ليست في غياب القانون، وإنما في اختلال العلاقة بين القانون والقوة.

فالنظام الدولي الذي يريد حماية قواعده يحتاج إلى أكثر من البيانات والقرارات. يحتاج إلى آليات إنفاذ متسقة، وإلى إرادة سياسية لا تجعل تطبيق القانون خاضعا بصورة مطلقة لموازين التحالفات. وإلا فإن المجتمع الدولي سيواصل إنتاج النصوص، بينما تستمر الوقائع في إنتاج نفسها على الأرض.

ولعل السؤال الأكثر قسوة هو: ماذا يتبقى من فكرة العدالة الدولية إذا اعتاد العالم أن يرى انتهاكات موثقة، وقرارات معلنة، وأحكاما قانونية واضحة، ثم لا يجد آليات فاعلة لتحويلها إلى واقع؟

إن الإجابة لا ينبغي أن تكون باليأس من القانون الدولي، بل بالمطالبة بإصلاح الخلل في آليات إنفاذه. فالقانون الدولي، رغم محدودياته، يمثل الإطار الذي يحكم العلاقات بين الدول ويضع قواعد لحماية الشعوب والمدنيين والأراضي المحتلة. والتخلي عنه لأن تطبيقه غير متكافئ يعني منح القوة وحدها سلطة تحديد ما هو مشروع وما هو غير مشروع.

وهذا أخطر من أي نزاع سياسي بعينه.

فإذا أصبح امتلاك القوة معيارا لتحديد حدود القانون، فإن الدولة الأقوى تستطيع أن تخلق وقائع جديدة ثم تطلب من المجتمع الدولي التعامل معها باعتبارها أمرا واقعا. وعندها يصبح القانون تابعا للوقائع، بدلا من أن يكون إطارا لتنظيمها وتصحيح مساراتها.

ومن هنا فإن القضية الفلسطينية تضع المجتمع الدولي أمام امتحان تاريخي: هل القانون الدولي منظومة مبادئ عامة، أم مجموعة قواعد تتوقف فاعليتها على هوية الطرف الذي تطبق عليه؟ وهل تستطيع المؤسسات الدولية الانتقال من تسجيل الانتهاكات إلى بناء أدوات فاعلة للمساءلة؟ وهل يمكن أن تصبح قرارات الأمم المتحدة جزءا من عملية تنفيذية حقيقية، لا مجرد وثائق جديدة تضاف إلى أرشيف المنظمة الدولية؟

إن إسرائيل، في هذا السياق، ليست مجرد حالة سياسية منفردة، بل حالة اختبار لمصداقية النظام الدولي. فحين تصدر محكمة العدل الدولية رأيا واضحا بشأن الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة وسياسات الاستيطان والضم، يصبح السؤال موجها إلى المجتمع الدولي بقدر ما هو موجه إلى إسرائيل: ماذا بعد الرأي القانوني؟ وما قيمة القاعدة إذا لم تتحول إلى ممارسة؟

ولا يعني ذلك أن القانون فقد قيمته. على العكس، إن أهمية رأي محكمة العدل الدولية تكمن في أنه أعاد تثبيت الإطار القانوني للنزاع، ووضع مجموعة من السياسات والممارسات تحت معيار قانوني دولي واضح. كما أن تعدد القرارات الأممية والوثائق القانونية يوفر سجلا مؤسسيا لا يمكن محوه بسهولة. لكن قيمة هذا السجل ستظل ناقصة ما لم تقترن بآليات سياسية وقانونية أكثر فاعلية.

إن المعركة الحقيقية ليست بين القانون والسياسة، فالقانون الدولي يعمل داخل السياسة الدولية، وإنما بين سياسة تجعل القانون خاضعا للقوة، وسياسة تجعل القانون إطارا لضبط القوة. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن ينشغل بها العالم اليوم.

فلا يمكن بناء سلام مستدام في الشرق الأوسط من دون عدالة، ولا يمكن تحقيق عدالة مستدامة من دون قانون، ولا يمكن أن يكون القانون مؤثرا إذا كان إنفاذه انتقائيا.

وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للقانون الدولي ليس أن ينتهك مرة، بل أن يصبح انتهاكه عادة، ثم يصبح الصمت عنه سياسة، ثم يتحول الصمت إلى قبول ضمني بالواقع.

إن قضية فلسطين تكشف هذه المعضلة بأوضح صورها: قواعد قانونية راسخة، وقرارات دولية متراكمة، ورأي استشاري لمحكمة العدل الدولية يقرر أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، بينما تبقى الفجوة قائمة بين النص والتنفيذ.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحا أمام العالم ليس فقط: لماذا لا تلتزم إسرائيل بما تقرره المؤسسات الدولية؟ بل: ماذا سيفعل المجتمع الدولي عندما تصبح مخالفة القانون أقوى من آليات إنفاذه؟

فإذا لم يجد العالم إجابة عملية عن هذا السؤال، فإن الخاسر لن يكون الفلسطيني وحده، ولن تكون القضية الفلسطينية وحدها هي المتضرر؛ بل ستكون الفكرة نفسها التي قام عليها القانون الدولي: أن القوة، مهما بلغت، لا ينبغي أن تكون مصدرا للشرعية، وأن الأرض لا تصبح حقا مشروعا لمجرد أن القوة فرضت واقعا جديدا عليها.

أحدث مقالاته

المزيد في قسم مقالات

الأكثر قراءة

الأخبار العاجلة

كن الأول في معرفة آخر المستجدات فور حدوثها

ابقَ على اطّلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى واتساب مباشرة فور النشر.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام و سياسة الخصوصية.
+962