تشهد العديد من البلديات حالة من الترهل الإداري والخدماتي منذ استلام اللجان المؤقتة لمهام إدارة البلديات، في ظل غياب الرؤساء المنتخبين الذين كانوا يمتلكون تفويضًا شعبيًا وخبرة متراكمة في إدارة الشأن المحلي. وقد انعكس هذا الواقع بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين وعلى كفاءة اتخاذ القرار ومعالجة القضايا اليومية التي تهم المجتمعات المحلية.
ومن الملاحظ أن بعض الجهات تحاول تقديم الوفورات المالية التي ظهرت في موازنات بعض البلديات على أنها نتيجة لسياسات ناجحة في ترشيد الإنفاق والإدارة المالية الرشيدة، إلا أن القراءة الموضوعية للواقع تشير إلى أن هذه الوفورات لم تكن نتاج خطط مدروسة لرفع الكفاءة أو الحد من الهدر، بقدر ما كانت نتيجة مباشرة لتراجع حجم الخدمات والمشاريع المنفذة وانخفاض الإنفاق على احتياجات المواطنين الأساسية.
فالبلديات خلال هذه المرحلة شهدت تباطؤًا في تنفيذ العديد من الأعمال الخدمية وتأخرًا في الاستجابة لمطالب المواطنين، إضافة إلى محدودية المبادرات والمشاريع التنموية التي من شأنها تحسين مستوى الخدمات والبنية التحتية، خلافًا لما يتم الترويج له. وعندما تتراجع الخدمات وتقل المشاريع فمن الطبيعي أن تنخفض النفقات، الأمر الذي ينعكس ظاهريًا على شكل وفر مالي لا يعكس بالضرورة نجاحًا إداريًا أو ماليًا.
كما أن جزءًا من هذا الوفر يعود إلى تراجع الموارد والتحويلات المالية الواردة من الجهات الحكومية المختصة، وليس إلى إجراءات إصلاحية أو سياسات فعالة اتبعتها اللجان المؤقتة. فقلة الموارد المتاحة أدت إلى تقليص الإنفاق على العديد من البنود التشغيلية والخدمية، وهو ما أثر بصورة مباشرة على مستوى الخدمة المقدمة للمواطن.
وفي الجانب الإداري تبرز مؤشرات واضحة على وجود حالة من التخبط في إدارة بعض البلديات نتيجة عدم الإلمام الكافي بالأنظمة والتعليمات والقوانين الناظمة لعمل البلديات، فضلًا عن عدم وضوح حدود الصلاحيات المخولة لبعض أعضاء اللجان أو آليات ممارستها. وقد أدى ذلك إلى بطء في اتخاذ القرارات وتضارب في الإجراءات وظهور اجتهادات فردية لا تستند دائمًا إلى الأسس القانونية والإدارية السليمة.
إن إدارة البلديات ليست مجرد إجراءات روتينية، بل هي منظومة متكاملة تتطلب معرفة دقيقة بالتشريعات والأنظمة المالية والإدارية وخبرة في التعامل مع احتياجات المجتمع المحلي وقدرة على اتخاذ القرارات المناسبة ضمن الأطر القانونية المحددة. وعندما تغيب هذه العناصر تظهر آثارها في صورة ضعف في الأداء وتراجع في مستوى الخدمات وارتفاع في حالة عدم الرضا لدى المواطنين.
ومن هنا فإن تقييم أداء اللجان المؤقتة يجب أن يستند إلى مؤشرات حقيقية تتعلق بجودة الخدمات المقدمة وسرعة الإنجاز وكفاءة الإدارة ومدى تحقيق احتياجات المواطنين، وليس فقط إلى أرقام مالية قد تكون ناتجة عن تقليص الخدمات أو انخفاض الموارد المتاحة. فالمعيار الأساسي لنجاح أي إدارة بلدية يبقى قدرتها على خدمة المواطنين وتحسين مستوى حياتهم وتحقيق التنمية المحلية المستدامة وفق رؤية واضحة وإدارة كفؤة وقادرة على تحمل المسؤولية.
ويبقى الأهم أن يكون على رأس البلدية رئيس منتخب خرج من رحم معاناة المجتمع المحلي ويعرف احتياجاته الحقيقية ويحمل هموم المواطنين وتطلعاتهم، وقادر على تمثيلهم والدفاع عن مصالحهم وتحويل مطالبهم إلى برامج عمل ومشاريع تنموية ملموسة.









































