من أكثر المواقف المربكة والمجهدة بصرياً للسائقين، هو الاضطرار للانحناء الشديد للأمام ومحاولة "التمطط" خلف مقود السيارة لرصد تحول لون إشارة المرور من الأحمر إلى الأخضر، وذلك بسبب وقوف السيارة أول الطابور مباشرة أسفل عمود الإشارة. هذا التحدي اليومي يفتح الباب أمام تساؤل هندسي عميق بالمجمل: لماذا توضع الإشارة فوق رؤوسنا مباشرة بدلاً من وضعها في الجهة المقابلة لتكون في مستوى النظر الطبيعي؟ وما هو التصميم "الصح" والتصميم "الأصح" في عصر كاميرات الرادار الذكية؟
الواقع المروري العام: أجهزة متطورة بتخطيط "حافظ مش فاهم"
تصر الإدارات المرورية المحلية بالمجمل على اتباع المدرسة التقليدية بوضع الإشارة فوق رأس السائق مباشرة لإجباره نفسياً على عدم تجاوز نقطة الوقوف. لكن هذا النظام في الواقع الميداني يتحول إلى مصيدة حتمية للأسباب التالية:
* أزمة الـ 90%: تغيب خطوط التوقف الأرضية وممرات المشاة في أكثر من 90% من التقاطعات، ليصبح جسم عمود الإشارة نفسه هو الحد الفاصل الوهمي للوقوف، مما يدخل السائق الأول في عمق "الزاوية الميتة" تحت العمود مباشرة.
* الفجوة بين التصميم الهندسي والواقع الميداني للأعمدة القصيرة: من الناحية النظرية، وُجدت الأعمدة الجانبية القصيرة المساعدة لتكون إشارة مكررة تغطي الزاوية الميتة للسائق الأول. لكن واقع الممارسة الميدانية يظهر قصوراً حاداً وتوزيعاً غير عادل للمسارب؛ حيث يتم توجيه الإشارات القصيرة لخدمة مسارب الالتفاف واليسار (عبر الجزيرة الوسطية)، وقد تخدم الإشارة المثبتة على الرصيف الأيمن المسرب الأيمن فقط. أما من يقف أول سيارة في خط السير المستقيم وتحديداً في "المسرب الأوسط"، فإنه يبقى معزولاً ومحجوب الرؤية تماماً بين يمين ويسار، بلا أي إشارة مساعدة تقع في مستوى نظره.
* أزمة خانقة وسيارات بلا رفاهية: ثلثي الشعب لا يملك سيارات حديثة بـ "فتحة سقف" ليرى الأعلى، كما أن ضغط الأزمات الخانقة يجبر السائق الأول على الزحف للأمام مرغماً لتفريغ السير خلفه، ليجد نفسه أعمى تماماً تحت الإشارة.
* فخ "الزامور": السيارات الخلفية تكشف الإشارة العلوية بوضوح وتبدأ بالتزمير لاستعجالك؛ وتحت هذا الإرباك والضغط النفسي، يتحرك السائق الأول بالخطأ ليقع في مصيدة الكاميرا أو يتسبب بحادث لاعتقاده أن الإشارة فتحت.
مخالفة تقصم ظهر الموظف
هنا تكمن الكارثة الحقيقية؛ فمخالفة قطع الإشارة الحمراء تبلغ 200 دينار أردني، وهي تعادل راتب شهر كامل لموظف كادح ومحدود الدخل. والأصعب من ذلك، أنه لم يعد يُسمح بالاعتراض عليها أو تخفيض قيمتها، مما يجعل الخطأ البصري العفوي الناتج عن سوء التصميم الهندسي سبباً في تهديد الأمن المعيشي للمواطن.
إشارات تجريبية بالهيكل القديم
مؤخرًا، تم الإعلان عن قفزة تكنولوجية هامة تتمثل في البدء بتركيب منظومة إشارات ضوئية ذكية في احدى المحافظات، ممولة بتبرع سخي بقيمة 1.5 مليون دينار. ومع أن البلدية بدأت بالفعل بتركيب وتشغيل بعض هذه الإشارات التجريبية لتنظيم السير حالياً، تمهيداً لربط بقية التقاطعات مثل بردى والدراوشة بالكامل في منتصف تشرين الثاني؛ إلا أن الهيكل والتركيب ما زال يعيد إنتاج نفس الأزمة القديمة.
هذا الحدث الأحدث يضع القضية تحت المجهر؛ فكلنا أمل ونتمنى بعد كل هذا الذكاء التكنولوجي والمبالغ المستثمرة في الإشارات الجديدة (والإشارات بالمجمل)، ألا يقتصر الأمر على "ذكاء البرمجة"، بل أن يتم تركيبها وتوزيعها وتوجيه زواياها في المكان الصحيح هندسياً وبصرياً بحيث تخدم السائق وتريحه بدلاً من أن تكون عبئاً عليه.
ففي دول مثل أمريكا والخليج، تُعلق الإشارات في الجهة المقابلة تماماً للتقاطع. وبوجود كاميرات الرادار الحديثة، يصبح هذا التصميم هو الخيار الأصح والعدالة بعينها؛ لأن الخوف من غرامة الـ 200 دينار هو الرادع الفعلي والوحيد الذي يمنع السائق من تجاوز خط التوقف، وليس حجب الرؤية عن رأسه وإجهاد رقبته. نقل الإشارة للمقابل يحقق:
1. عدالة وراحة بصرية: تقع الإشارة في مستوى العين الطبيعي للسائق الأول والخلفي معاً، مما ينهي ارتباك الزوامير العشوائية المستفزة.
2. مرونة لحماية الأرزاق: لو تقدم السائق بضعة سنتيمترات بالخطأ دون قطع التقاطع، سيظل يرى الإشارة بوضوح ويتسمر في مكانه، بدلاً من التحرك المرتبك الذي يكلفه قوته اليومي.
الخلاصة
لا معنى لتركيب "إشارات ذكية" متطورة إذا كان السائق الأول يحتاج إلى معجزة بصرية ليرى لونها!
بما أن كلفة نقل الجسور للمقابل باهظة في الوقت الحالي، فإن نجاح أي مشروع ذكي يتطلب حلاً منصفاً وفورياً: إما إعادة تخطيط ممرات المشاة والخطوط الأرضية بانتظام لمنع التخمين، أو إلزام الجهات المعنية بتركيب فوانيس جانبية منخفضة تُضبط زواياها الهندسية بدقة لتخدم وتوجه نحو السائق الأول في كل مسرب على حدة (بما فيها المسارب الوسطى)، كحق بصري وإنساني يحمي جيب المواطن البسيط من فلاشات رادارات لا ترحم.








































