*إعداد - رشا غسان موسى
إعلامية وباحثة سورية في الشأن العام إجازة في علم الآثار والسياحة مدرّبة في الاتصال الاستراتيجي والإعلام
-----------------------------------------------------
*ملخص تنفيذي
بعد أكثر من أربعة عشر عاماً على اندلاع النزاع في سورية، لا يزال تحديد العدد الإجمالي للضحايا مسألة منهجية معقدة. تعتمد الأمم المتحدة، عبر مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان (OHCHR)، مقاربة توثيقية صارمة قائمة على التحقق الفردي من هوية الضحية، وهو ما يجعل الأرقام الصادرة عنها تمثل الحد الأدنى الموثّق القابل للتحقق، وليس العدد النهائي الفعلي للضحايا.
*ملاحظة منهجية:
تعتمد هذه الورقة حصراً على البيانات المنشورة رسمياً من قبل الأمم المتحدة، وتغطي الفترة الممتدة بين مارس/آذار 2011 ومارس/آذار 2021، دون تبنّي موقف سياسي تجاه أطراف النزاع، ودون إصدار توصيفات قانونية أو اتهامات تتجاوز ما ورد في المصادر الأممية.
أولاً: الرقم الأممي الموثّق بالأسماء (2011–2021)
في 24 أيلول/سبتمبر 2021، أعلن مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان أن:
350,209 ضحية تم توثيقهم في سورية بين 1 مارس 2011 و31 مارس 2021
وقد تم التوصل إلى هذا الرقم عبر:
• التحقق من الاسم الكامل
• تحديد تاريخ الوفاة
• تحديد مكان الوفاة
• مطابقة البيانات بين قواعد معلومات متعددة لمنع التكرار
وأكد المكتب أن هذا الرقم يمثل الحد الأدنى الموثّق فقط، نظراً لوجود حالات وفاة لم تستكمل عناصر التحقق المطلوبة.
🔹 المرجع:
Office of the High Commissioner for Human Rights (OHCHR),
Statement to the Human Rights Council, 24 September 2021.
*ثانياً: تقدير عدد الضحايا المدنيين
في 28 حزيران/يونيو 2022، أصدر مكتب حقوق الإنسان تقريراً خاصاً بتقدير عدد المدنيين الذين قُتلوا مباشرة بسبب النزاع خلال الفترة نفسها.
خلص التقرير إلى أن:
306,887 مدنياً كانوا ضحايا النزاع بين مارس 2011 ومارس 2021
وقد اعتمد التقرير على منهجية إحصائية تُعرف باسم:
Multiple Systems Estimation (MSE)
ويتكون الرقم من:
• 143,350 وفاة مدنية موثقة فردياً
• 163,537 وفاة مدنية مقدّرة إحصائياً لسد فجوات التوثيق
ويؤكد التقرير أن هذا الرقم لا يشمل:
• الوفيات غير المباشرة الناتجة عن انهيار النظام الصحي
• ضحايا الجوع وسوء التغذية
• الوفيات المرتبطة بالنزوح وفقدان الخدمات الأساسية
🔹 المرجع:
OHCHR, 28 June 2022.
*ثالثاً: التصنيف القانوني مقابل التصنيف السياسي
من الناحية المنهجية، لا تعتمد الأمم المتحدة تصنيفاً سياسياً للضحايا (مؤيد/معارض)، بل تعتمد تصنيفاً قانونياً محايداً يقوم على:
• مدني
• مقاتل
وبالتالي فإن الأرقام تشمل:
• مدنيين في مناطق سيطرة الحكومة
• مدنيين في مناطق المعارضة
• مدنيين غير منخرطين سياسياً
• عناصر من الجيش النظامي
• عناصر من فصائل مسلحة أخرى
الأرقام الأممية تعكس صفة الضحية القانونية وقت الوفاة، لا انتماءها السياسي.
*رابعاً: الفجوة بين الرقم الموثّق والرقم الفعلي
تؤكد الأمم المتحدة أن الرقم المعلن يمثل "floor estimate” (تقديراً أرضياً أدنى)، وذلك بسبب:
1. صعوبة الوصول إلى مناطق النزاع
2. انقطاع سلاسل التوثيق المحلية
3. فقدان وثائق رسمية
4. معايير تحقق صارمة تستبعد الحالات غير المكتملة
وبناءً على تقديرات منظمات رصد النزاع، يُقدَّر أن العدد الإجمالي للضحايا منذ 2011 وحتى عام 2021 قد يقترب من:
600,000 إلى 650,000 ضحية (تقدير شامل غير أممي)
مع التأكيد أن هذه التقديرات لا تصدر عن الأمم المتحدة، بل عن جهات رصد مستقلة.
*خاتمة
تشير البيانات الأممية إلى أن سورية شهدت واحدة من أكثر النزاعات دموية في العقود الأخيرة. وإذا كان الرقم الموثّق وحده يتجاوز 350 ألف ضحية خلال عشر سنوات فقط، فإن ذلك يعكس فجوة توثيقية كبيرة بين ما تم التحقق منه وما يُرجّح أنه حدث فعلياً.
الحصيلة السورية ليست رقماً سياسياً، بل سجلّاً حقوقياً موثقاً للفترة الممتدة حتى مارس 2021، يمكن أن يشكل أساساً لأي مسار مستقبلي للعدالة والمساءلة وإعادة البناء المؤسسي.




