تحسين أحمد التل
ربما لم يخطر على بال أحد معرفة من هم المبعوثين، أو السفراء الذين ذكرهم التاريخ قبل أن يختار سيدنا محمد (عليه الصلاة والسلام)، مصعب بن عمير، ويرسله الى أهل المدينة المنورة لتعليم أهلها القرآن، وعلوم الدين الإسلامي، بعد بيعة العقبة الأولى، وكان له الفضل في دخول معظم بيوت المدينة المنورة للإسلام، وقد أطلق عليه لَقَبْ سفير، أو مبعوث الرسول الكريم، ولُقِّبَ أيضاً بمقرىء المدينة.
أبرز سفراء التاريخ الإسلامي، جاءوا على النحو التالي:
- الصحابي مصعب بن عمير: أول سفير أو مبعوث في الإسلام، أرسله النبي (عليه الصلاة والسلام) للدعوة في يثرب.
- جعفر بن أبي طالب، ابن عم الرسول: سفير النبي محمد (عليه الصلاة والسلام) إلى النجاشي ملك الحبشة.
- عمرو بن أمية الضمري: مبعوث الرسول الأعظم محمد بن عبد الله (صل الله عليه وسلم) إلى النجاشي.
- دحية بن خليفة الكلبي: مبعوث الرسول الكريم (عليه الصلاة والسلام) إلى هرقل عظيم الروم.
- عبدالله بن حذافة السهمي: مبعوث النبي محمد (عليه الصلاة والسلام) إلى كسرى أبرويز ملك الفرس.
- عمرو بن العاص: داهية العرب، سفير قريش في مفاوضات تاريخية مع النجاشي ملك الحبشة، لإقناعه بترحيل المسلمين عن أرض الحبشة، والعودة بهم الى مكة.
تشير المعلومات التاريخية الى أن الخليفة عبد الملك بن مروان استخدم الإمام عامر الشعبي، وهو من الكوفة بالعراق؛ سفيراً لينقل رسالة إلى ملك الروم، ولا يعلم الشعبي ما هي فحوى الرسالة، وكان يمكن معرفة ما بداخلها، إلا أنه وللأمانة التي كان يتمتع بها، قال لملك الروم إنها مختومة بخاتم الأمانة، ولم يقرأها أو يطلع على ما هو مكتوب، وعندما رد ملك الروم برسالة ثانية للخليفة عبد الملك، حملها الشعبي وعاد، وسلمها للخليفة دون أن يدري ما بداخلها.
كان ملك الروم قد أرسل لعبد الملك بن مروان ما يغري بقتل الشعبي، حيث كتب فيها: كيف يكون بينكم مثل هذا السفير وتولون غيره، وكأنه يحرض الخليفة على قتله، وعندما سأل عبد الملك الإمام الشعبي، ألا تعرف ماذا كتب لي ملك الروم، إنه يغريني بقتلك، فقال الشعبي؛ حملت رسالتك وختمتها بخاتم الأمانة، ونقلت رسالة ملك الروم وختمتها بخاتم الأمانة، ولو كنت أعرف ماذا يوجد بداخلها لما نقلتها.
هكذا كان السفراء عبر التاريخ العربي والإسلامي، أو عبر التاريخ كله، وكان من صفات الرسول، أو السفير، أو المبعوث؛ أن قتله محرم، أو لا يجوز إهانته، أو الإساءة إليه، لأنه ناقل رسائل مؤتمن، ولا يتعلق عمله بأي أمور عسكرية، إنما عمله أقرب للسياسة، كما هو عمل السفراء في عصرنا الحالي، حيث يقومون بتنشيط العلاقات السياسية والدبلوماسية بين الدول.
لن ننسى سفراء الموغول الذين أرسلهم هولاكو للخليفة العباسي في بغداد، والى ملوك الشام، ومصر لتسليم مدنهم دون مقاومة، وكيف كانوا يهددون عبر الرسائل بتدمير كل أسباب الحياة إذا رفض العرب تسليم مدنهم وعواصم ملكهم، ومع ذلك كانوا يغدرون بهم، ولم يستثنوا من القتل حتى الأطفال، وكانت آخر الرسائل التي أرسلها القائد كتبغا، وقام السفراء الموغول بحملها الى المظفر قطز سلطان مصر، حيث كانت من أشد الرسائل رعباً وتخويفاً لكي يتنازل المماليك، ويفتحوا أبواب مدنهم لجحافل الموغول.
وكانت رسالة المظفر قطز؛ أقوى، وأعنف من رسالة كتبغا، حملها وعاد بها ما تبقَ من سفراء؛ عمل المماليك على قتلهم، وتعليق رؤوسهم على أبواب القاهرة، كرد بالمثل على تهديد الموغول بقتل المسلمين، وتدمير مصر عن بكرة أبيها، لو لم ينهزموا في عين جالوت، بقيادة قطز وبيبرس ومن خلفهم آلاف الجنود المماليك، وغير المماليك، وكانت أدت هذه المعركة الى نهاية الموغول، وانحسار وجودهم بعد هذه المعركة الشرسة، التي نصر الله جل وعلا جنده من المسلمين على أعداء الله.
الحديث عن المبعوثين والسفراء عبر التاريخ حديث شائك، ويطول، وهو متعدد الجوانب، هناك سفراء كانت سفاراتهم أقرب للإصلاح وترميم العلاقات، وهناك سفراء كان عملهم أقرب للخيانة، يجنحون للشر، ويقفون مع الباطل خوفاً وطمعاً، ويذكر التاريخ بعضهم، لكن أبرزهم كان مؤيد الدين ابن العلقمي (الرافضي)؛ الذي باع الخلافة العباسية للموغول، وجعل هولاكو يدخل بغداد ويدمرها، ويقتل آخر خلفاء بني العباس، الخليفة عبد الله المستعصم بالله (1242 - 1258)؛ مقابل أن يستولي هو على حكم المدينة، لكن هولاكو أذل ابن العلقمي وأهانه، حتى مات قهراً وذلاً.
ربما لا يعرف كثير من القراء أن أول مبعوث، أو سفير لملكة سبأ في اليمن، هو طائر الهدهد الذي أرسله النبي سليمان الى بلقيس، وكان الهدهد اشتهر بحكمته وإيمانه، حيث نقل أخبار مملكة سبأ وملكتها بلقيس، وكان سبباً في هدايتهم للإسلام، ويُعتبر الهدهد في التراث والتاريخ رمزاً للمخابرات، ورمزاً للحنكة والدهاء.
السفير أو المبعوث هذه الأيام هو ممثل الملك، أو رئيس الدولة، أو الأمير، ولا يختلف عمله كثيراً عن ذي قبل، فهو يشكل بالنسبة لدولته في الخارج؛ رئيس البعثة الدبلوماسية، وأبرز مهامه؛ تعزيز العلاقات السياسية، والاقتصادية، والثقافية، وحماية مصالح وطنه ومواطنيه، وهو محصن وفق القانون الدولي، ووفقاً لإتفاقية فيينا لعام (1961).



