جيل بين وظيفتين:
شباب الأردن بين حلم الاستقرار وواقع المنصات
عند الساعة الثامنة صباحًا، يغلق أحمد (24 عامًا) باب منزله
في شرق عمّان متجهًا إلى عمله في شركة خاصة. دوام يمتد حتى الرابعة عصرًا، براتب
بالكاد يغطي المواصلات وبعض المصاريف. لكن يومه لا ينتهي هنا. عند المساء، يجلس
أمام حاسوبه، يفتح حسابه على منصة للعمل الحر، ويبدأ بتصميم الشعارات لشركات في
الخليج وأوروبا.
يقول مبتسمًا: وظيفتي الصباحية للاستقرار… والليل لحلمي
قصة أحمد ليست استثناءً. في الأردن، يتشكل بهدوء نمط اقتصادي
جديد: جيل يعمل بوظيفتين، أحيانًا بدخلين مختلفين، وأحيانًا بهويتين مهنيتين
متوازيتين. وظيفة تقليدية تمنح شعورًا بالأمان الاجتماعي، وأخرى رقمية تمنح أملًا
بالتحرر المالي.
من الحكومة حلم إلى
المرونة أولًا
لأجيال سابقة، كانت الوظيفة الحكومية تمثل ذروة الاستقرار؛
راتب ثابت، وتقاعد واضح المعالم. أما اليوم فقد تغيرت المعادلة لم يعد الشباب يبحث
فقط عن الأمان الوظيفي بل عن المرونة، وتعدد مصادر الدخل وإمكانية النمو السريع.
تشير تقديرات رسمية صادرة عن دائرة الإحصاءات العامة الأردنية
إلى استمرار تحديات البطالة بين فئة الشباب، ما يدفع كثيرين إلى البحث عن بدائل
خارج الإطار التقليدي. هنا تدخل المنصات الرقمية كمساحة مفتوحة: تصميم، برمجة،
صناعة محتوى، تسويق إلكتروني، تعليق صوتي، وحتى التجارة عبر وسائل التواصل.
لكن السؤال الأهم:
هل هذه المنصات خيار استراتيجي طويل الأمد، أم مجرد استجابة
ظرفية لأزمة اقتصادية ممتدة؟
اقتصاد بلا مكاتب
الاقتصاد الرقمي لا يحتاج إلى مبنى، ولا بطاقة دوام، ولا مدير
مباشر. يحتاج إلى اتصال إنترنت جيد، ومهارة قابلة للبيع.
وهذا التحول غيّر مفهوم "المسار المهني”. لم يعد المسار خطًا
مستقيمًا يبدأ بوظيفة وينتهي بتقاعد؛ بل أصبح شبكة فرص متداخلة.
في عمّان، إربد، وحتى في محافظات الجنوب، يمكن ملاحظة ازدياد
المشاريع الصغيرة المنزلية، وصفحات البيع عبر إنستغرام، وحسابات المحتوى التعليمي
والترفيهي. شباب يصنعون لأنفسهم فرصًا لم تكن متاحة قبل عقد واحد فقط.
غير أن هذا الواقع يحمل جانبًا آخر:
- دخل غير ثابت
- غياب حماية قانونية واضحة لبعض
الأعمال الرقمية
- ضغط نفسي مرتبط بتقلب السوق
والخوارزميات
الجامعات وسوق العمل
الجديد
يبقى التحدي الأعمق في الفجوة بين التعليم وسوق العمل. كثير
من التخصصات الجامعية لا تزال تهيئ الطلبة لمسارات تقليدية، بينما السوق يتحرك
بسرعة نحو المهارات الرقمية والمرنة.
السؤال الذي يطرح نفسه:
هل نُعلّم الشباب كيف يبحثون عن وظيفة؟ أم كيف يصنعون فرصة؟
بين الحلم والواقعية
لا يمكن اختزال الظاهرة في نجاحات فردية ملهمة، ولا في صورة
سوداوية عن بطالة متزايدة. الحقيقة أكثر تعقيدًا: جيل يحاول التكيف مع اقتصاد
متحوّل، مستعينًا بأدوات لم تكن متاحة لآبائه.
أحمد، الذي يعمل صباحًا وليلًا، لا يرى نفسه ضحية ظرف
اقتصادي، بل جزءًا من تحول أكبر.
"يمكن
ما عندي أمان كامل،” يقول، "لكن عندي خيارات.”
وربما في كلمة "خيارات” يكمن مفتاح الفهم.
فهذا الجيل لا يبحث فقط عن راتب… بل عن مساحة حركة في زمن
تتغير فيه قواعد اللعبة بسرعة غير مسبوقة




