إيران بيضة القبان الأمريكية
د. محمد العزة
في لعبة الأمم، لا مكان للعواطف ولا لحركات الاندفاع غير المحسوبة على رقعة الشطرنج ، خصوصا عند اتخاذ القرارات المصيرية ، المتعلقة بالمصالح و الدفاع عنها .
ثمة تفكير استراتيجي و حزمة مشاريع لكل مرحلة، تسعى خلاله القوى الكبرى إلى إحكام السيطرة على الجغرافيا ومصادر الثروة و معابر التجارة العالمية .
ما قامت به الولايات المتحدة التي ارتبط اسمها بسقوط نظام الشاه في إيران عام 1979 ، رغما أنه ذراعها الضارب و الحليف الاقرب لها آنذاك ، بالإضافة إلى عوامل داخلية ساعدت على ذلك .
لتبدء حقبة قيام جمهورية إيران الإسلامية التي تبنت ولاية الفقيه المذهب الشيعي فكرا عقائديا لاحقا رسم ملامح نهج نظامها السياسي ، تماما كما اريد له للشرق الأوسط الجديد ، و المنطقة العربية ميدانا له تحديدا ، تمهيدا لتنفيذ مخطط الهندسة الجيوسياسية الأمريكية .
لاحقا الحرب العراقية–الإيرانية، كشفت الخطوط العريضة الاولى للمخطط ، عبر اشعالها بين الطرفين و دعمهما.
فضيحة إيران–كونترا في عهد الرئيس رونالد ريغان ، أحد الأدلة الدامغة على أهداف تلك المرحلة ، التي دشّنت تحولات عميقة في بنية الصراع داخل المنطقة ، هدفها إعادة تموضع القوة لدول المحور فيها ، اضعافها ، انتهاءا بالتفتيت و إعادة رسم حدودها.
حقبة انتقلت بؤرة الاشتباك من السياسي إلى الأيديولوجي، ومن القومي إلى الطائفي والمذهبي .
الهدف شرق أوسط خال من أنظمة الايدلوجيا ، و الذهاب الى عصر المشاريع و البرمجة .
التسلح بوعي سياسي رصين يظل المدخل الأهم لفهم المشهد بعيدًا عن العناوين السطحية. فالعرب، رغم امتلاكهم مقومات الجغرافيا والثروة والتاريخ، لم ينجحوا حتى الآن في بلورة مشروع وطني جامع لهم ، قادر على تحصين الداخل من الاختراقات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
في أي مواجهة أمريكية مع إيران، هناك اعتبارات و ابعاد ، دائما حاضرة ، تؤخذ بعين الاعتبار ، الموقع الجيوسياسي ، حركة التجارة و الملاحة البحرية ، النفط و الطاقة ، عليه قد لا يكون الهدف إسقاط النظام بقدر ما يكون إعادة ضبط سلوكه ودفعه نحو الاعتدال أكثر ، داخل معادلة المصالح و التفاهمات على حدود الأدوار داخل المنطقة ، لذا فإن إيران بالنسبة للامريكان هي بيضة القبان ، في السلم و الحرب ، دون فهم المشهد داخل ذلك الاطار ، المؤكد أنه انتحار لأحد أطراف الصراع ، لصالح انتظار صعود طرف و مشروع اخر.
السؤال الأهم: أين سيكون موقع العرب على طاولة المفاوضات المقبلة؟
رغم أن الدول العربية كانت من أوائل من وقع اتفاقيات دفاع مشترك فيما بينها وأسست أطر تعاون اقتصادي قبل قيام أحلاف كبرى مثل حلف شمال الأطلسي وحلف وارسو والاتحاد الأوروبي، إلا أن هذه الاتفاقيات بقيت حبرا على ورق ، حبيسة ارشيف مؤتمرات القمة العربية ، دون ترجمة عملية فاعلة لها ، ذهبت أدراج الرياح التي كانت تعصف بالمنطقة، تثيرها القوى الكبرى منعا لهكذا مشروع عربي ، مع الاعتراف بعدم وجود إرادة عربية حقيقة لذلك .
في السياق الأردني، في ضوء تطور الأحداث العسكرية و التحديات الأكثر حساسية مرحليا و انعكاس تعقيدات أثرها على المنطقة ، بعث الاردن برسالة واضحة جلية تعبر عن موقفه ، جسدها حراك ديبلوماسيته الوازنة التي يقودها الملك مفادها :
أنه ثابت على موقفه تجاه قضاياه و قضايا أمته ، مؤكد على دعوته أن لا سبيل لاستقرار الأوضاع إلا عبر الدعوة إلى التهدئة و العودة في الانخراط في مسار المفاوضات القائمة على الندية واحترام الحقوق و المصالح ، بما يفضي للتوصل إلى تسوية سياسية عادلة .
الاردن أكد حياده و عدم انحيازه لاي من مشاريع أطراف الصراع و الحرب الدائرة حاليا ، ليضع أولويات سلامة أراضيه عبر رفضه أي خرق لسيادة اجواءه و اراضيه ايا كانت الأطراف ، أو تكون ساحته لتصفية ملفات على حسابه ، فالسماح لاي طرف ، تعني إشارة استباحة لجميع الأطراف ، وهذا ما يجب أن يعيه أبناء الشعب الأردني العظيم .
الاردن يقف في محيط ملتهب، ويواجه ضغوطا إقليمية ودولية معقدة ، تدفع لقبول شروط لاتخدم مصالحه العليا.
وجود قواعد عسكرية أمريكية في الخليج منذ حرب 1991، ثم احتلال العراق عام 2003 في عهد الرئيس جورج بوش الابن، أعاد تشكيل موازين القوى في المنطقة، و تم طرح تساؤلات حول طبيعة الأدوار المستقبلية لتلك القواعد و لزوم تواجدها الدائم و ازداد تكراره اليوم عن السابق ، لا سيما دون وجود مبررات لها ، في ظل زوال اسباب إقامتها .
أما العلاقة مع إسرائيل، فهي تمثل محورا أساسيًا في أي إعادة ترتيب إقليمي. يحكمها الموقف الاردني تجاه القضية الفلسطينية ( قضيته المركزية ), و الدور الفاعل فيها ، واعتبار أنه يقف اليوم في وجه كيان يقوده يمين متطرف ، تصريحاته و أفعاله تجاه الاردن تضعه على قائمة العدو الاول له، في حين ما تمثله الاتفاقيات الموقعة حاليا معه ، التي يغلب عليها الطابع الأمني الأقرب الى الهدنة ، هدفها لخفض مستوى التوتر في العلاقات التي شهدت تذبذبا في مسارها تراوحت مابين الاشتباك العسكري وصولا إلى طاولة المفاوضات لإرساء حل سياسي ، مع العلم كلما تقدم مسار التفاهمات نحو الاستقرار خطوة ، كان الكيان مدفوعا بمشاريعه ، مدعوما بقوى النفوذ ، ينفضها و يرجعها للخلف خطوات ، فهل الضمانات الأمنية الأمريكية كافية لردع أي أطماع أو تهديدات اسرائيلية ؟
في ظل ازدواجية المعايير و الانحياز الكامل لصالح الكيان ، أم أن الموقف العربي الموحد هو وحده الكفيل بإنتاج توازن ردع حقيقي؟
الحرب ليست خيارا مرغوبا، هي فتحة جحيم يتسع للجميع ، لكنها احتمال قائم في بيئة مضطربة ، والتاريخ القريب يذكرنا ، خاصة ما جرى في العراق بعد 2003، يبين كيف يمكن لحرب أن تعيد رسم الخريطة الجيوسياسية لعقود ، لكنها أن فرضت للدفاع عن ثرى هذا الحمى صار قدرا واجبا القبول به ، ليظل الرهان الأهم على الداخل: تماسك قوة النسيج الوطني، و بناء الهوية الوطنية ، صلابة البنية الاقتصادية .
إن بناء مشروع عربي ، داخل إطار التنسيق في تلمواقف و التعاون تحت مظلة نماذج الدول الوطنية القُطرية أضعف الإيمان، لم يعد ترفا بل ضرورة استراتيجية. فالتوازن في العلاقات الدولية لا يُصنع بالشعارات، بل بتراكم عناصر القوة الذاتية، السياسية والاقتصادية والعسكرية.
تبقى القضية الفلسطينية محور الصراع في المنطقة، وأي تسوية لا تعترف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ستظل ناقصة وقابلة للانفجار مجددًا. أما العرب، فإن قدرتهم على التأثير في مسارات التفاوض المقبلة ستتحدد بمدى قدرتهم على تجاوز الانقسام، وصياغة رؤية موحدة تحمي مصالحهم اولا ، داخل لعبة الامم وتفرض حضورهم في معادلة الإقليم .




