شريط الأخبار
في دائرة الأراضي بين الذاكرة والسياسة... وزير الثقافة يشكر فريق الإسعاف في مركز دفاع مدني ناعور لجنة فلسطين في الأعيان تلتقي السفير الصيني جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية ومستشفى الملك المؤسس يبحثان التطورات الحديثة في علاج الصرع إعلان النتائج الأولية لانتخابات اتحاد طلبة الأردنية في عدد من الكليات الأميرة سمية ترعى حفل تخريج الفوج الـ 36 من طلبة مدارس الحكمة الجامعة الأردنية تُنهي الاقتراع وتباشر فرز الأصوات في انتخابات اتحاد الطلبة انتخابات اتحاد طلبة الأردنية تنطلق: قوائم وكليات وتنافس على 59 صندوق اقتراع أردنية العقبة تعلن أسماء الفائزين بانتخابات اتحاد الطلبة أورنج الأردن تشارك في فعالية 'Femi Tech' دعماً لتمكين المرأة في التكنولوجيا منصّة زين وطماطم و “Replit” يختتمون هاكاثون الألعاب المدعومة بالذكاء الاصطناعي 9 مميزات في أندرويد 17 تعتمد على الذكاء الاصطناعي تحويل دوام طلبة الاردنية عن بعد الأربعاء والخميس "النتن ياهو" يحاول منع سقوط حكومته.. وصفقة مع ترامب لإنهاء الأزمة "أسواق التميمي" تتواجد في مكة المكرمة خلال موسم الحج عبر متجر مؤقت يعمل على مدار الساعة الهرم الغذائي الجديد.. كيف تطورت التوصيات الغذائية الحديثة؟ Gradiant تعلن عن تمويل من الفئة E بقيمة ملياري دولار لتسريع توسعها في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والبنية التحتية للمياه الصناعية الأردن يمنع دخول القادمين من الكونغو الديمقراطية وأوغندا بسبب فيروس إيبولا التعمري يتصدر تصويت جائزة هدف الموسم الفرنسي بين وعود التنظيم وعمق الواقع.. البكار يرفع لواء "ضبط سوق العمل" والشارع يتطلع لنهج القدوة وبناء الثقة

الكرامة… حين يتحوّل النصر إلى وعيٍ دائم

الكرامة… حين يتحوّل النصر إلى وعيٍ دائم
الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم

تُجسّد معركة الكرامة التي وقعت في الحادي والعشرين من آذار عام 1968 لحظةً فارقة في التاريخ العربي الحديث، إذ لم تكن مجرّد مواجهة عسكرية محدودة، بل تحوّلت إلى حدث تأسيسي أعاد صياغة الوعي الجمعي للأردنيين، ورسّخ في وجدانهم معنى الكرامة بوصفها خيارًا لا يُساوَم عليه. ففي تلك اللحظة التاريخية، واجه الجيش العربي الأردني قوة عسكرية متفوقة، لكنه استطاع أن يُثبت أن الإرادة الصلبة، والانتماء العميق للأرض، قادران على قلب موازين القوة التقليدية، وإعادة الاعتبار للإنسان العربي بعد نكسة حزيران 1967.

تُعيد الكرامة تعريف مفهوم النصر، فلا تحصره في السيطرة الميدانية أو الحسابات العسكرية البحتة، بل ترفعه إلى مستوى المعنى؛ حيث يصبح الصمود ذاته فعل انتصار، وتغدو القدرة على الثبات في وجه العدوان إعلانًا عن هوية وطنية لا تنكسر. ومن هنا، ترسّخت الكرامة في الوعي الأردني كرمزٍ للسيادة والاعتزاز، وكمرجعية نفسية وثقافية تُستدعى في كل لحظة تحدٍّ، لتذكّر الأجيال بأن الدفاع عن الوطن ليس خيارًا ظرفيًا، بل التزام تاريخي وأخلاقي.

وفي ظل ما يشهده الإقليم اليوم من تصاعد في التوترات والاعتداءات، وما يترافق معها من محاولات فرض وقائع جديدة بالقوة، تتجدّد الحاجة إلى استحضار روح الكرامة، لا بوصفها ذكرى، بل كنهج عمل. فالتحديات الراهنة لم تعد تقليدية، بل باتت متعددة الأبعاد، تمتد من الميدان العسكري إلى الفضاءات الاقتصادية والإعلامية والتكنولوجية، الأمر الذي يستدعي مقاربة شاملة تقوم على تعزيز المناعة الوطنية وبناء القدرة على الصمود طويل الأمد.

يبدأ استنهاض الشعوب من إعادة بناء الوعي؛ وعيٍ يدرك أن الأمن القومي لم يعد مسؤولية المؤسسات وحدها، بل هو مشروع مجتمعي تشاركي. ويتطلّب ذلك ترسيخ قيم الانتماء والالتزام، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، وبناء خطاب وطني جامع يوازن بين الواقعية السياسية والطموح المشروع. كما يستدعي الاستثمار في الإنسان، تعليمًا وتأهيلًا، بوصفه الركيزة الأساسية لأي قدرة دفاعية أو تنموية.

ويمتد هذا النهج ليشمل الاقتصاد، حيث يصبح تحقيق الاكتفاء النسبي في القطاعات الحيوية ضرورة استراتيجية، لا مجرد خيار تنموي. فالدول التي تمتلك قدرة على تأمين غذائها ودوائها وطاقتها، تكون أكثر قدرة على اتخاذ قراراتها السيادية دون ضغوط. وهنا، يمكن للأردن أن يفعّل شراكاته العربية، ويعيد صياغة منظومة تكامل إقليمي تقوم على تبادل الموارد والخبرات، بما يعزز مناعة المنطقة ككل.

أما على المستوى العربي الأوسع، فإن استلهام الكرامة يقتضي الانتقال من حالة التفاعل مع الأزمات إلى حالة المبادرة، عبر بناء منظومات تعاون حقيقية في مجالات الدفاع المشترك، والأمن الغذائي، والتكامل الصناعي، وتوحيد المواقف السياسية في القضايا المصيرية. فالتحديات التي تواجه دولة عربية واحدة سرعان ما تمتد آثارها إلى بقية الدول، ما يجعل من العمل الجماعي ضرورة وجودية لا ترفًا سياسيًا.

وتبرز كذلك أهمية الوعي الإعلامي والثقافي في مواجهة محاولات التشويه والتضليل، إذ لم تعد المعركة تُخاض فقط بالسلاح، بل بالكلمة والصورة والرواية. ومن هنا، يصبح الاستثمار في الإعلام المسؤول، وفي بناء خطاب عربي عقلاني ومتوازن، جزءًا من معادلة الصمود، تمامًا كما كانت الروح المعنوية أحد عناصر الحسم في معركة الكرامة.

إن الكرامة، في جوهرها، ليست حدثًا تاريخيًا عابرًا، بل حالة مستمرة من اليقظة الوطنية، تتجدد كلما استدعت الظروف ذلك. وهي دعوة دائمة إلى أن يكون الإنسان العربي فاعلًا في صناعة مستقبله، لا متلقيًا لنتائج الآخرين. وبين الأمس واليوم، يبقى الدرس الأهم أن الإرادة، حين تقترن بالتخطيط والعمل المشترك، قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والهزائم إلى بدايات جديدة.

وهكذا، فإن استحضار الكرامة اليوم لا يعني استعادة الماضي، بل توظيفه لبناء الحاضر واستشراف المستقبل؛ مستقبلٍ يقوم على الوعي، والاستعداد، والتكامل، ويجعل من الكرامة نهجًا دائمًا في التفكير والعمل، لا مجرد ذكرى تُروى.