د. إبراهيم النقرش
لم تعد قضية وزيرٍ تُثار حوله شبهات أو يُطلب منه الاستقالة هي القضية التي تشغل الأردنيين، بل السؤال الأهم: هل أصبحت هذه القضايا مجرد مظاهر لظاهرة أكبر اسمها الفساد؟
إن قضية وزير العمل، وما أُعلن بشأنها من إجراءات، اخذت حيزاً كبيرا من التفاعل الاعلامي، لكن القضية الحقيقية هي أن الأردنيين باتوا يشعرون بأن الفساد لم يعد حالات فردية، بل منظومة تمتد إلى الفساد المالي والإداري والسياسي، حتى أصبح كثيرون يعتقدون أن الواسطة والمحسوبية واستغلال المنصب العام لمصالح خاصة هي من أخطر ما يهدد الدولة.
فالفساد لا يسرق المال العام فحسب، بل يسرق العدالة، ويقتل الكفاءة، ويبدد ثقة المواطن بمؤسساته. وعندما يرى المواطن أن بعض أصحاب النفوذ ينجون من المحاسبة بينما يُحاسب الضعيف على أبسط الأخطاء، تتآكل الثقة بالدولة، ويحل الإحباط محل الأمل.
والخاسر في النهاية ليس المواطن وحده، بل الوطن كله، بل وحتى النظام السياسي نفسه؛ لأن الناس تحمل الدولة نتائج ممارسات الفاسدين. ومن هنا، فإن حماية الدولة لا تكون بحماية الفاسدين، وإنما باجتثاث الفساد من جذوره، وتطبيق القانون على الجميع دون تمييز، حتى يبقى المواطن واثقًا بأن العدالة لا تعرف منصبًا ولا نفوذًا.
لقد أثبتت تجارب الأمم أن الدول لا يهددها الفقر بقدر ما يهددها الفساد، لأنه يستنزف الاقتصاد، ويزيد البطالة والفقر، ويطرد الاستثمار، ويضعف الانتماء الوطني. فكل دينار يُهدر هو فرصة عمل تضيع، ومستشفى يتأخر، ومدرسة لا تُبنى، وأسرة يزداد عبؤها.
ولذلك فإن مكافحة الفساد لم تعد خيارًا، بل ضرورة وطنية لحماية الأردن واستقراره. المطلوب ليس الاكتفاء بإعلان القضايا، بل الإسراع في حسمها، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون، واسترداد المال العام، والاستفادة من التجارب الناجحة في بناء منظومة رقابة ومساءلة أكثر فاعلية.
ليست المشكلة في "بكّار” "لفظ مجازي عام على سعته"واحد، بل في وجود "بكاكير” و”هوامير” إذا تُركوا دون ردع، أرهقوا الدولة وأضعفوا الاقتصاد وأساءوا إلى صورة مؤسساتها. أما الدولة القوية، فهي التي تجعل القانون فوق الجميع، لأن العدل هو أساس الملك، والنزاهة هي الضمانة الحقيقية لاستقرار الوطن وثقة المواطن




