القلعة نيوز:
بقلم: عبدالكريم الشنون
مستشار جودة الحياة والتمكين الاجتماعي
حين يسقط طالب الطب من الطابق السابع في المستشفى الذي تدرب فيه على "إنقاذ الأرواح"، فنحن لسنا أمام حالة انتحار عابرة، بل نحن أمام "جريمة تقصير منظّم" تشترك فيها المؤسسة الأكاديمية والطبية والمجتمع. "روضة"، طالبة السنة السادسة في الجامعة الأردنية، لم تنهِ حياتها لأن الطب "صعب"، بل لأنها طرقت أبواب النجاة فوُجدت موصدة بوقاحة وبرود.
"استحملي لبعد العيد".. جريمة في ثوب نصيحة!
أن تذهب طالبة تملك سجلاً نفسياً معروفاً لدى جامعتها، وتصرخ طالبة المساعدة في يومها الأخير من "مركز الطب النفسي" بمستشفى الجامعة، ليأتِ ردّ المختصين: "أنتِ دكتورة.. استحملي لبعد العيد"؛ فهذا ليس تقصيراً مهنيًا فحسب، بل هو انحدار أخلاقي وإنساني. هل أصبح "اللقب الأكاديمي" درعاً يمنع الطبيب من الشعور بالألم؟ وهل تُؤجل الأزمات الوجودية حتى تنتهي العطلات الرسمية؟ هذا الرد لم يكن نصيحة، بل كان "رصاصة الرحمة" التي أُطلقت على ما تبقى من أمل في روح روضة.
طواحين الأبحاث والابتزاز الأكاديمي
ما كشفته منشورات روضة قبل رحيلها عن كواليس "مشاريع التخرج" يندى له الجبين. إن بيئة دراسة الطب تحولت في بعض جوانبها إلى "غابة" من الابتزاز النفسي والأكاديمي، حيث يُهدد الطالب بجهده واسمه ومستقبله من قِبل منظومة لا ترحم. حين يشعر الطالب بالاستقواء عليه ولا يجد "مظلمة" ينصفه فيها عميد أو مشرف، فإن الجامعة تتحول من صرح للعلم إلى "بيئة طاردة للحياة".
الجامعة الأردنية.. ناقوس الخطر يدق للمرة الرابعة!
روضة ليست الأولى، بل هي الرابعة في سلسلة من الأرواح التي أُزهقت في نفس الصرح خلال سنوات قليلة. سبقها زملاؤها الذين غادرونا بصمت تحت وطأة الضغوط السريرية والامتحانات المرهقة، والذين لم تشفع لهم عبقريتهم الأكاديمية أمام انهيار قواهم النفسية.
إلى إدارة الجامعة: كفاكم صمتاً وتجميلاً للواقع. ضغوط المادة والتطبيق وأساليب التدريس المتصلبة تخنق أبناءنا. إن جودة الحياة الجامعية ليست في تشجير الساحات، بل في حماية عقول وأرواح الطلبة من الانهيار.
رسائل إلى المجتمع والدولة
• إلى الأهالي: توقفوا عن حشر أحلامكم في قوالب "الطب والهندسة". ابنتكم حيةً بغير شهادة، أغلى بمليون مرة من جثمان يرتدي رداء التخرج.
• إلى الدولة: إن ظروف الغربة لآلاف الطلاب الأردنيين دارسي الطب في الخارج تضاعف هذا الضغط، وهم أمانة في أعناقنا يجب الالتفات لواقعهم المرير قبل فوات الأوان.
كلمة أخيرة.. المحاسبة هي البداية
بصفتي مستشاراً في التمكين الاجتماعي، أطالب بفتح تحقيق فوري ليس في "سبب الوفاة" فحسب، بل في "سبب رفض المساعدة". يجب أن يحاسب كل من قال لروحٍ تستغيث "انتظري بعد العيد". إن لم نتدارك هذا التوحش الأكاديمي والنفسي، سنظل نشيع جثامين المبدعين بدلاً من الاحتفال بنجاحهم.
رحم الله روضة، وصبّر أهلها، وجعل دمها صرخة توقظ الضمائر الميتة.




