حين تكون الصورة ثغرة أمنية
قديما كان الإنسان يعتمد في نشره على الكتابة الورقية وهذا الأمر يحتاج وقت للتدقيق والمراجعة وإصلاح الأخطاء إن وجدت
وقد يتراجع عن النشر إذا وجد هناك مفسدة من النشر
واحيانا ترفض الجهة الناشرة نشر الموضوع
او ترى ان الوقت لا يصلح للنشر
واما في هذا الزمن فلم يعد للقلم قيمة
ولم تعد الغاية نشر الفائدة والمعلومة الصحيحة بل الغاية حصد الإعجابات
وللأسف حتى مواقعنا الإخبارية إلا ما رحم ربك والتي نفترض ان يقوم عليها أناس متخصصون بالإعلام ويدركون خطورة الصورة و خطورة الكلمة ويوازنون بين المصالح و المفاسد أصبحت تتسابق في نقل الخبر التافه والمحتوى الفاشل حصداً للإعجاب والمتابعين بعيدا عن غاية واهداف الإعلام الجاد والناجح
للأسف نحن في زمن تتسابق فيه الأعين والكاميرات لإلتقاط الحدث لتحقيق السبق بدون تفكير وبدون تروي وتُقاس فيه القيمة بعدد المشاهدات لا بميزان المسؤولية
وهنا يصبح من الضروري إعادة تعريف معنى النشر وحدوده
فلا تُصوّر كل ما تراه فليست كل اللحظات مباحة للعدسة ولا كل المشاهد صالحة للعرض
فهل من المقبول او المعقول نشر صور وصواريخ وهي تتساقط على مواقع عسكرية أردنية ؟؟
كانت الدول تجند جواسيسا ويخاطرون بعلاقاتهم الدولية ويخاطرون بأرواح عملائهم من اجل التقاط صورة او تحديد احداثيات لموقع وانت الآن تعطيها ببلاش وبدون وعي وإدراك لخطورة ما تفعل
قد تكون الصورة لديك للتسلية او الضحك او لحصد الإعجابات ولكنه بالنسبة للآخر هي معلومة استخبارية ثمينة
وإن صوّرت فلا تنشر فليس كل ما يُلتقط يُذاع ولا كل ما يبدو عاديا يخلو من الحساسية
قد ترى مشهدا عاديا بالنسبة اليك أو موقعا مألوفا أو حركة تبدو بلا قيمة فتبحث عن إعجابات أو سبق صحفي لكن ما تراه بعينك البسيطة قد يُقرأ بعين أخرى تلتقط التفاصيل وتربطها بسياقات أوسع
هناك من يحلل الصورة جزءا جزءا ويستخرج منها ما لا يخطر على بالك من دلالات ومؤشرات بالغة الخطورة على أمنك ووطنك ومجتمعك
كم من صورة أو مقطع ظنه صاحبه عاديا فتحول إلى معلومة ثمينة في يد من يترقب وكم من نشر عفوي كان بابا لاختراق أمني كبير
فالمعلومة في زمن الفتن والقلاقل والحروب لا تُقاس بحجمها بل بأثرها وما يبدو صغيرا في عينك قد يكون مفتاحا لما هو أكبر
المسؤولية اليوم لا تتوقف عند حسن النية بل تمتد إلى حسن التقدير
ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا او ليصمت
ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلينشر خيرا او ليتوقف
نحن في زمن لا يمكن ان تتدارك الخطأ أو أن تتراجع عنه
فاجعل معيارك قبل النشر لا ما يقال عنك بل ماذا قد يُفهم من محتواك
فالوطن لا يُحمى فقط بالحدود بل يُحمى أيضا بوعي أبنائه وانضباطهم في كل ما يكتبون وينشرون
اللهم مع بداية هذا النهار
اجعل ألسنتنا عامرة بالحق
وأعمالنا خالصة لك
وجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن
واحفظ علينا امننا وإيماننا
واحفظ وطننا وقيادتنا وشعبنا
واجعلنا ممن يطفئون الباطل بحكمة ويحيون الحق بثبات
مطلق الحجايا
31-3-2026




