القلعة نيوز:
حين تشتعل نيران الحروب، لا يبقى متسعٌ للملفات الداخلية مهما بلغت تعقيداتها، ولا وقتٌ لتصفية الحسابات الضيقة، ولا مجال لفتح دفاتر الخلافات فيما بيننا… فالوطن عندها يصبح هو العنوان الأكبر، والهمّ الأوحد، والمصير المشترك الذي لا يحتمل التمزق أو التردد.
عند نشوب الحرب… يجب إغلاق الملفات الداخلية.
ليست هذه عبارة عابرة، بل حكمة صاغتها تجارب الأمم، وكتبتها دموع الشعوب، وأكدتها لحظات الخطر التي لا تفرّق بين رأيٍ ورأي، ولا بين موقفٍ وآخر، لأن الخطر إذا داهم الأوطان، لم يسأل عن اختلافاتنا، ولم يميز بيننا… بل يطال الجميع دون استثناء.
فالحرب ليست ساحةً للجدال، ولا زمنًا للمناكفات، ولا فرصةً لتسجيل النقاط.
الحرب لحظة اختبار حقيقي، تُقاس فيها وطنيّة النفوس، وعمق الانتماء، ورجاحة العقول.
هناك، تسقط الشعارات الصغيرة، وتبقى كلمة واحدة: الوطن.
كم من أممٍ عصفت بها الأزمات، لكنها تماسكت لأن أبناءها أدركوا أن خلافاتهم الداخلية، مهما كانت مشروعة، تصبح عبئًا ثقيلًا إذا استُحضرت في لحظات الخطر. فأغلقوا ملفاتهم، ودفنوا خلافاتهم مؤقتًا، ورفعوا راية واحدة، فنجوا… ثم عادوا بعد العاصفة إلى حواراتهم، وقد حفظوا أوطانهم من الانهيار.
وفي المقابل، كم من شعوبٍ فتحت جبهتين في وقتٍ واحد:
جبهة الخارج… وجبهة الداخل،
فأرهقت نفسها، وأضعفت جبهتها، وسمحت للخطر أن يتسلل من ثغرات التنازع والتشكيك، حتى أصبحت الخلافات الداخلية أشد خطرًا من التهديد الخارجي نفسه.
إن الحكمة تقتضي أن نرتقي فوق الخلافات حين تتعاظم الأخطار، وأن ندرك أن الوطن ليس ميدانًا للصراع، بل مظلة تجمع الجميع، وأن المكتسبات الوطنية التي بُنيت عبر سنوات طويلة، قد تهتز في لحظات إذا انشغلنا ببعضنا، وتركنا التحديات الكبرى تتفاقم.
ليس معنى إغلاق الملفات الداخلية إلغاء الرأي الآخر، أو تعطيل النقد، أو إقصاء الحوار، بل يعني تأجيل الخلافات، وترتيب الأولويات، وتقديم سلامة الوطن على كل اعتبار. فالنقد يبقى حقًا، والحوار ضرورة، لكن توقيت كل منهما جزء من الحكمة، لأن الحكمة ليست فقط فيما نقول، بل متى نقول، وكيف نقول.
إن توحيد الصف في أوقات التحدي لا يعني ذوبان الآراء، بل يعني توحيد الهدف.
والهدف في لحظات الخطر يصبح واضحًا لا لبس فيه:
حفظ الوطن… وصون أمنه… وحماية مكتسباته…
فالوطن إذا بقي، بقيت كل الملفات قابلة للنقاش،
أما إذا تزعزع — لا قدر الله — فلن تبقى ملفات نختلف حولها أصلًا.
ولعل أعظم ما تحتاجه الأمم في أوقات التحدي هو العقل الهادئ، والنفس الحكيمة، والضمير الذي يقدّم المصلحة العامة على الانفعال اللحظي، لأن الأوطان لا تُحفظ بالصوت العالي، بل بالبصيرة، ولا تُصان بالانقسام، بل بالتماسك.
فلنغلق ملفاتنا حين تعلو الأخطار،
ولنجعل همّنا همًا واحدًا،
ولنرفع راية الوطن فوق كل الرايات،
حتى تمرّ العاصفة…
ويبقى الوطن ثابتًا…
وتبقى مكتسباته مصونة…
وتبقى القلوب التي اجتمعت عليه… أكثر وعيًا، وأعمق انتماءً، وأصدق وفاءً.




