القلعة نيوز - م. سعيد المصري
انطلاقًا من تحليل نشرته مجلة Foreign Affairs حول تداعيات الحرب المرتبطة بإيران، يتضح أن التصعيد الذي شهده الشرق الأوسط لم يعد مجرد صراع إقليمي يمكن احتواؤه، بل تحوّل إلى صدمة نظامية كشفت عن الهشاشة البنيوية للنظام الاقتصادي العالمي.
غير أن المستجد الأبرز مع ساعات فجر الأربعاء 8 نيسان 2026، والمتمثل في التوافق على وقف شامل لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وامتداده ليشمل جبهات أخرى كلبنان، لا يعني نهاية هذه الصدمة، بل انتقالها إلى مرحلة أكثر تعقيدًا: مرحلة اختبار قدرة النظام الدولي على إعادة ضبط نفسه.
فما جرى لم يكن مجرد حرب، بل اضطراب وقع في قلب أهم شريان للطاقة في العالم. مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر لعبور النفط، بل تحوّل إلى أداة ضغط جيوسياسية، كاد أن يعيد تعريف قواعد الاقتصاد العالمي. وحتى مجرد التهديد بتعطيله كان كافيًا لإحداث تقلبات حادة في الأسواق، بما يعكس مدى اعتماد العالم على عدد محدود من نقاط الاختناق.
وما يميز هذه الأزمة هو أنها لم تبقَ ضمن حدود الطاقة، بل تحولت بسرعة إلى صدمة اقتصادية شاملة. فقد انعكست على كلف النقل، ومدخلات الإنتاج، وأسعار الغذاء، لتتحول إلى موجة تضخمية عالمية. كما كشفت ظاهرة تجاوز أسعار الخام الأمريكي لخام برنت عن اختلال غير مسبوق في منطق التسعير، حيث أصبحت المخاطر الجيوسياسية، لا الكفاءة الاقتصادية، هي المحدد الرئيسي للأسعار.
هذه التطورات كشفت خللًا عميقًا في بنية العولمة. فالنظام الذي بُني على افتراض انسيابية التدفقات، أظهر هشاشته أمام صدمات مركبة تنتقل بسرعة عبر شبكاته. ولم تعد أي دولة بمنأى عن هذه الاضطرابات، مهما بلغت درجة استقلالها.
وعلى المستوى الاستراتيجي، عادت الجغرافيا لتفرض نفسها كعنصر حاسم في الاقتصاد الدولي. فالممرات البحرية لم تعد محايدة، بل تحولت إلى أدوات نفوذ وصراع، وأصبح التحكم بها—أو التهديد بذلك—عاملًا محددًا في موازين القوة.
في هذا السياق، جاءت الهدنة المعلنة لمدة أسبوعين، ليس فقط كفرصة لوقف القتال، بل كنافذة اختبار لإعادة تعريف قواعد اللعبة. فإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة خلال فترة التفاوض تمثل مؤشرًا حاسمًا على أن الجغرافيا، رغم تسييسها، ما زالت قابلة لإعادة التنظيم ضمن تفاهمات مؤقتة.
غير أن جوهر المرحلة المقبلة لا يكمن في وقف إطلاق النار بحد ذاته، بل في مخرجات المفاوضات التي ستجري خلال هذه الفترة. فالمؤشرات تفيد بأن إيران طرحت مجموعة مطالب—يُقال إنها تصل إلى عشرة بنود—تشمل رفع العقوبات وفتح الباب أمام اندماجها في الاقتصاد الدولي. وإذا ما تحققت هذه المطالب، فإن الحرب قد تنتهي ليس فقط بوقف النار، بل بإعادة تموضع إيران داخل النظام العالمي.
وهنا تتجلى المفارقة: فالصراع الذي هدد بتفكيك النظام الاقتصادي العالمي، قد يتحول—إن نجحت المفاوضات—إلى مدخل لإعادة دمج أحد أبرز أطرافه المختلفين معه.
لكن في المقابل، فإن فشل هذه المفاوضات سيعيد العالم إلى مربع التصعيد، وربما إلى مستويات أكثر خطورة، حيث ستتحول الهدنة إلى مجرد استراحة تكتيكية ضمن صراع مفتوح.
وفي ضوء هذه المعطيات، تجد الدول نفسها أمام إعادة صياغة استراتيجياتها الاقتصادية، حيث لم تعد الكفاءة وحدها كافية، بل أصبح أمن سلاسل الإمداد والقدرة على الصمود عاملين حاسمين. ومن المرجح أن يستمر تشكل النظام الاقتصادي العالمي وفق ثلاثة اتجاهات: تكتلات إقليمية متصلة، شبكات وظيفية عابرة للجغرافيا، وصعود دور القوى المتوسطة.
إن "صدمة إيران” لم تنتهِ مع وقف إطلاق النار، بل دخلت مرحلة جديدة. مرحلة لا يُختبر فيها فقط ميزان القوى العسكري، بل قدرة النظام الدولي على تحويل لحظة الانفجار إلى فرصة لإعادة التوازن.
وفي قراءة تتجاوز التشخيص الذي قدمته مجلة Foreign Affairs، فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد أزمة طاقة أو حرب إقليمية، بل لحظة إعادة تشكيل للنظام الاقتصادي العالمي، حيث تتقدم اعتبارات الاستقرار الجيوسياسي على حساب الكفاءة المطلقة.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح هذه الهدنة في التحول إلى اتفاق دائم يعيد دمج إيران ويخفف من حدة الاختناقات العالمية، أم أنها مجرد محطة عابرة قبل جولة جديدة من الصراع؟
في كلتا الحالتين، فإن العالم قد دخل بالفعل مرحلة جديدة، لم تعد فيها الممرات محايدة، ولا الأسواق مستقلة عن الجغرافيا، بل أصبحت جزءًا من معادلة صراع مفتوح يعاد رسم حدوده تحت ضغط الأزمات.
|