شريط الأخبار
“500 غلوبال” و”سنابل للاستثمار” تعلنان عن الدفعة الحادية عشرة من برنامج Sanabil Accelerator by 500 Global البلديات والتنمية المحلية في الأردن : شراكة في بناء المستقبل "الشمس الساطعة و ثروة الطاقة المهدرة " العين العياصرة: الأردن طرح أفكارا للمحافظ الاستثمارية في قطاع الطاقة خلال لقاءات بأذربيجان عشائر الشرعة تشكر رئيس الديوان الملكي لرعاية احتفالاتها بالمناسبات والأعياد الوطنية الوصفة الأمريكية في الصين... موظفون حكوميون إلى التقاعد (اسماء) إرادات ملكية بنقل سفراء إلى المركز (أسماء) حسون في افتتاح محاكمته: موقعي من بشار الأسد كان كموقع موسى من فرعون الطلب على الكهرباء يقفز 17%.. والطاقة المتجددة تغطي أكثر من ربع التوليد في الأردن الولايات المتحدة تؤكد رغبتها في اتفاق مع إيران لكن ليس "بأي ثمن" قاليباف: أموال إيران المجمدة ليست لشراء المنتجات الأمريكية القاضي لوزير الطاقة الأذري: الأردن يمتلك بيئة تشريعية واستثمارية متقدمة في قطاع الطاقة أسعار النفط تنخفض إلى مستويات ما قبل حرب إيران مع عودة الملاحة في هرمز الفراية: الأردن يتخذ جميع الإجراءات لتسهيل عبور الفلسطينيين عبر جسر الملك حسين "الإدارية النيابية" تستمع إلى مقترحات النقابات حول مشروع قانون الإدارة المحلية أبو عليم يدعو لحضور مباراة المنتخب الوطني عبر شاشة عرض ضخمة في موقع أم الجمال الأثري الجراح في اليوم العالمي لمكافحة المخدرات: شهداء مكافحة المخدرات رسموا بدمائهم خط الدفاع الأول عن أمن الأردن المصري: لا رحمة لتجار السموم.. وحدود الأردن عصية على المهربين بفضل يقظة قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية المحامي صالح الخشمان يُشيد بالمداخلة التي قدّمها الشيخ عبدالله السرور خلال لقاء مستشارية العشائر ( فيديو )

عبثية القوانين....حين يفقد التشريع روحه

عبثية القوانين....حين يفقد التشريع روحه
عبثية القوانين… حين يفقد التشريع روحه
القلعة نيوز
لم يكن الحاكم بأمر الله مجرد شخصية غريبة في كتب التاريخ، بل تحوّل – في الوعي الجمعي – إلى نموذج يُستدعى كلما أراد الناس السخرية من سلطةٍ فقدت رشدها. تُروى عنه قرارات وقوانين متناقضة وعجيبة: منع أطعمة بعينها مثل الملوخية، وتتبّع الناس في بيوتهم، وقلب نظام الحياة ليلًا ونهارًا بإغلاق الدكاكين نهارًا وفتحها ليلًا، والتضييق على شؤونهم الخاصة بمنع النساء من الخروج إلى الحمامات العامة للاستحمام والتطهر، وأمر بخنق بعض من خالفنه، ووصل به الأمر إلى تسليط عبيده لإيذاء المخالفين بالضرب والقتل وغيره. وسواء صحّت كل هذه التفاصيل أو شاب بعضها مبالغة، فإن دلالة القصة أعمق من الوقائع نفسها: حين ينفصل القانون عن الحكمة، يتحول إلى عبث.

التاريخ لا يُقرأ للتندر، بل للفهم؛ فالقانون ليس نصًا يُفرض، بل معنى يُبنى في وعي الناس ويخلق بعد ذلك أثرًا يساهم في نقل الفعل إلى الواقع. فليس الهدف من حدّ الزنا إقامته -خاصة مع هذه الصورة من التشدد- ولا القسوة في حدّ السرقة إلا سبيلًا لمنع إتلاف أموال الناس وتجارتهم. وإذا فُقد هذا المعنى، لم يعد الالتزام به طاعة، بل تحايُلًا، ولم تعد مخالفته انحرافًا، بل مقاومة صامتة؛ كما فعل الحاكم بأمر الله بقتل السارق، ومن هنا يظهر الفرق بين الانضباط للقناعة بعلة، والانضباط بسبب الخوف.

إن فقدان الثقة بين الرعية والقوانين، أو بصورة أعمق، مَن خلف هذه القوانين، يضع منظومة كاملة في دائرة الشك وعدم اليقين. وهذا ما حدث مع الفاطميين بعد ذلك، ذهب ملكهم. يضع ابن خلدون قاعدة حاسمة حين يقول إن "الظلم مؤذن بخراب العمران". والظلم لا يقتصر على سلب الحقوق، بل يشمل أيضًا سنّ القوانين التي لا تُفهم حكمتها ولا تخدم مصلحة الناس؛ فالمجتمع لا ينهار فقط بالقهر، بل أيضًا بالعبث. وفي السياق نفسه، يقدّم ابن القيم الجوزية معيارًا بالغ الدقة: "الشريعة مبناها على الحكم ومصالح العباد... فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها... فليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل". هنا يصبح السؤال الجوهري: هل هذا القانون يحقق عدلًا حقيقيًا، أم يفرض صورةً شكلية للنظام؟

لقد أدرك الفقهاء مبكرًا أن قوة القانون لا تكمن في شدته، بل في مقصده؛ فحين شُرعت الحدود، لم يكن الهدف الإيقاع بالعقوبة بقدر ما كان حماية المجتمع. ولذلك قال عمر بن الخطاب: "ادرؤوا الحدود بالشبهات"، في إشارة واضحة إلى أن العدالة مقدمة على العقوبة، وأن الشك يُقدّم لصالح الإنسان لا ضده. ويذهب أبو حامد الغزالي إلى ربط التشريع بمقاصد كبرى: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. فإذا جاء قانون يهدم هذه الضرورات أو يفرغها من مضمونها، فإنه يفقد شرعيته الأخلاقية حتى لو احتفظ بشكله القانوني؛ فكيف إذا ظن الناس أن هدف القانون هو الجباية والجباية فقط؟

وفي الفكر الحديث، يحذر مونتسكيو في "روح القوانين" من القوانين التي لا تلائم طبيعة المجتمع، مؤكدًا أن التشريع الذي لا ينسجم مع واقع الناس يتحول إلى عبءٍ يولّد الفوضى بدل أن يمنعها. ويذهب ميشيل فوكو أبعد من ذلك، فيرى أن الإفراط في المراقبة لا يصنع مجتمعًا منضبطًا، بل مجتمعًا خائفًا، يلتزم ظاهرًا ويتمرد باطنًا. أليس هذا ما حدث مع الفاطميين في مصر!

من هنا، ليست المشكلة في شدة القوانين، بل في فقدان معناها. وليست العبرة في غرابة بعض التجارب التاريخية، بل في القاعدة التي تكشفها: أن أي منظومة تشريعية تُبنى على القهر، أو تُصاغ بمعزل عن واقع الناس، أو تُفرغ من مقاصدها… ستتحول مع الوقت إلى مادة للسخرية، ثم إلى سبب في تفكك المجتمع ذاته.

كل قانونٍ لا يُحترم في الضمير، لن يُحترم على الأرض. ولذلك لا بد من مراعاة الهدف من وراء القانون حتى يحقق غايته؛ ولا بد من تشديد القوانين على تلك المخالفات التي تحارب السلم المجتمعي، أو تهدم حياة الناس وأموالهم، أو تؤثر على سير حياتهم وتعطلها، كل بحسبه. ولكن لا بد أن تُصاغ بحكمة، وتُطبّق بحكمة، وتُقنع الأغلبية أن الهدف هو إيقاف المخالفة.

إبراهيم أبو حويله..