خليل قطيشات
في عُرف السياسة، تُبنى الجدرانُ لتفصل بين المكاتب الفارهة والميادين المنهكة، وتُصاغ التقاريرُ لتجمّل وجه الواقع أمام عيون أصحاب المعالي، لكن حين قرر الدكتور إبراهيم البدور أن يخلع بذلة الوزير الرسمية ويتحلل من قيود البروتوكول الثقيلة، كان يعلن في الحقيقة عن ولادة نهج جديد لا يرى الدولة من خلال الأرقام الصماء، بل من خلال أنين المتعبين في ردهات المستشفيات.
دلف الوزير إلى مستشفى الأمير حمزة متخفياً، لا كمسؤول تسبقه الصافرات بل كمواطنٍ مثقلٍ بانتظارِ مجهول، فوقف في تلك الطوابير التي لا تنتهي حيث يمتزج صمت الصابرين بتململ المستعجلين، وهناك في عتمة الزحام استمع للهمسات التي لا تجرؤ على الارتفاع في المكاتب المكيفة، وشاهد عيانًا ضغط العمل الذي يطحن الكوادر الطبية والمواطنين على حد سواء، فلم تكن الصيدلية مجرد شباك لصرف الدواء بل كانت مرآةً عكست له مرارة الانتظار، وكان قسم الطوارئ مسرحاً حقيقياً كشف أن الورق الذي يصله في مكتبه يفتقر دائماً لصدق الواقع المرير.
لم تكن هذه الجولة للاستعراض الإعلامي، فالحقيقة التي أبصرها الوزير خلف نظارته الشعبية أثمرت فوراً عن قرارات لا تحتمل التأجيل، بدأت بتوسعة فورية لقسم الطوارئ لاستيعاب التدفق البشري الذي فاق كل التوقعات، ووضع خطط لوجستية لإنهاء مأساة الطوابير أمام الصيدليات ليكون الدواء حقاً سهلاً لا عبئاً إضافياً، وصولاً إلى تفعيل المراكز الصحية الليلية لفك الحصار عن المستشفيات الكبرى وإعادة توزيع ضغط الخدمة الطبية بعدالة ومساواة.
إن ما فعله الوزير هو صفعة ناعمة لكل بيروقراطية نائمة خلف الأبواب المغلقة، ورسالة مفادها أن الحقائق لا تُقرأ بل تُعاش، فالمسؤول الذي لا يشم رائحة المعاناة في أروقة مؤسسته يظل حبيس تقارير كاذبة تبيع الوهم، ويبقى السؤال الذي يراود ذهن كل مواطن معلقاً حول ما إذا كانت هذه الجولة مجرد شرارة عابرة أم أنها بداية تغيير حقيقي يجتث جذور التقصير، ليبقى الثابت الوحيد أن البدور قدّم درساً في فروسية المسؤولية، مؤكداً أن القائد الحقيقي هو من يجرؤ على النزول من عرشه ليتحسس مواضع الألم في قلوب المواطنين .




