خليل قطيشات
حين تروي العزيمة حكاية وطن يا سلامي على وطنٍ ما انثنى يوماً عن صياغة المجد، ولا تراجع عن كتابة التاريخ بمداد العزيمة والإصرار، وطنٍ يفيض كبرياءً ويسير أبناؤه في مناكب الأرض يحملون رسالة شرف وانتماء. لقد ذهبنا إلى هناك، إلى تلك المحافل الدولية والميادين الكبرى، لا لنكون مجرد أرقام عابرة في سجلات المنافسات، أو عابري سبيل يفتشون عن موطئ قدم، بل ذهبنا وفي عيوننا بريق التحدي، وفي صدورنا رسالة واضحة؛ ذهبنا لنُعَلِم الدنيا بأسرها درساً قاسي الإرادة، عظيم المنال، ونروي للعالم قصة وصولنا المشرف الذي أذهل الكثيرين. هذا الوصول الاستثنائي لم تصنعه خزائن المليارات المكدسة، ولم تمهده الأموال والملايين، بل صنعته القلوب المؤمنة التي لا تعرف المستحيل، والهمم العالية التي تطاول عنان السماء، لنثبت للجميع أن صناعة المجد تحتاج إلى رجال قبل أن تحتاج إلى رأس مال.
لقد جئنا إلى هذا المحفل لنعلمهم كيف يدعم القائد والأمير، كيف يلتف ولاة الأمر حول أبنائهم بكل حب وحكمة، يشدون من أزرهم، ويمنحونهم القوة والثقة ليكونوا في الصدارة دائماً. وجئنا لنعلمهم كيف يكون التلاحم الحقيقي، كيف يقف الشعب سداً منيعاً، وصفاً واحداً كالبنيان المرصوص خلف منتخبه، تذوب في هذه اللحظات كل الفوارق، وتتوحد خلف الراية كل المقاصد والغايات، ليصبح صوت الهتاف زلزالاً يهز المدرجات ويسكن قلوب اللاعبين حماساً وفخراً.
لقد شهدت الساحات، ورأت عيون العالم، كيف يخرج الشيوخ بوقارهم وخبرة السنين المرتسمة على وجوههم، وكيف يتدفق الشباب بحماسهم المشتعل وفدائيتهم، وكيف تصدح النساء بدعواتهن النقية التي تفتح أبواب السماء، وكيف يركض الأطفال ببراءتهم وشغفهم العفوي، كلهم خرجوا من أجل الحلم، يسوقهم أمل واحد يرفض الانكسار، ويسعى نحو القمة بكل ثقة واعتزاز. جئنا لنعلم العالم كله، من أقصاه إلى أدناه، أن علمنا سيبقى دائماً وأبداً عالياً شامخاً يخفق في العالي، وأن ملكنا غالٍ تفديه الأرواح والمهج ومكانته راسخة في سويداء القلوب، وأن هذا الشعب العظيم متوحد على قلب رجل واحد، لا تزلزله العواصف ولا تثنيه التحديات مهما عظمت.
وفي قلب المستطيل الأخضر، وداخل ميادين البذل والعطاء، سنعلمهم كيف يكون اللعب الشريف والنظيف، اللعب الذي يعكس أخلاقنا العربية الأصيلة وقيمنا الراسخة التي تربينا عليها. سنريهم في كل هجمة، وفي كل استبسال، كيف يلعب الرجال الرجال، أولئك الذين يسترخصون العرق والجهد والدموع من أجل رفعة اسم الوطن وإعلاء رايته. ومهما كانت النتائج في نهاية المطاف، والتي نؤمن يقيناً ومن أعماق وجداننا بأنها تقادير رب العالمين وخياراته الحكيمة التي نرضى بها ونعتز، فإننا ندخل الميدان برؤوس مرفوعة وهامات لا تنحني إلا لله. فقد اعتدنا دائماً وأبداً، عبر مسيرتنا وتاريخنا، أن نكون نحن من يُعَلِم أولاً، نحن من يضع البصمة ويقود الركب ويلقن الآخرين دروساً في التلاحم والبطولة والوفاء، وبعد أن يستوعب العالم دروسنا ويقف إجلالاً لقصتنا، لا مانع لدينا بعد ذلك إن تعلمنا من تجارب الحياة ما يزيدنا قوة وثباتاً للمستقبل.




