د. عزالدين عبدالسلام الربيحات
في الثلاثين من كانون الثاني عام 1962، شهد الأردن ميلاد شخصية بارزة لم يكن حضورها مجرد حدث عابر في صفحات التاريخ، بل نقطة تحول محورية في مسيرة الوطن، حيث وُلد جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين، وريث الثورة العربية الكبرى، وامتداد السلالة الهاشمية التي ارتبطت بالقيادة والشرعية، وحملت على عاتقها الأمانة الوطنية والتاريخية للأمة.
ونشأ جلالته في بيتٍ عُرف بالحكمة والمسؤولية، في كنف والده المغفور له بإذن الله جلالة الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، الذي غرس في أبنائه قيم الانتماء، والاعتدال، والالتزام بقضايا الوطن والأمة. وقد تشكّلت شخصية الملك عبدالله الثاني منذ سنواته الأولى على مزيج متوازن من الأصالة الهاشمية والانفتاح الواعي على العالم، فكان التعليم والانضباط والعمل الجاد ركائز أساسية في مسيرته.
ولم يكن ميلاد جلالة الملك مجرد تاريخ يُحتفى به، بل بداية مسار قيادي استثنائي، تهيأ فيه القائد لتحمّل المسؤولية بروح الجندية، وعقل الدولة، وقلب المواطن. فمع توليه سلطاته الدستورية عام 1999، دخل الأردن مرحلة جديدة عنوانها التحديث، والإصلاح، وتعزيز دولة القانون والمؤسسات، مع الحفاظ على الثوابت الوطنية والهوية الأردنية الراسخة.
لقد اقترن اسم الملك عبدالله الثاني منذ بداية حكمه بمشروع وطني شامل، يضع الإنسان الأردني في قلب عملية التنمية، ويؤمن بأن التقدم الحقيقي لا يُقاس بالمؤشرات الاقتصادية وحدها، بل بكرامة المواطن، وجودة التعليم، وعدالة الفرص، وتمكين الشباب والمرأة. وعلى الصعيد الخارجي، ظل جلالته صوتًا عقلانيًا ثابتًا، يدعو إلى السلام العادل، ويحمل القضية الفلسطينية في المحافل الدولية بوصفها جوهر الاستقرار الإقليمي.
كما عُرف جلالة الملك عبدالله الثاني بدفاعه الدائم والصريح عن قضايا الأمة العربية والإسلامية، وهو موقف لم يقتصر على الكلمات، بل تجسّد في مواقف دولية واضحة. فقد حافظ الأردن بقيادته على مكانة القدس ومقدساتها، ودافع عن حقوق الشعب الفلسطيني في مختلف المحافل الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة والقمة العربية، وسعى لتعزيز جهود المصالحة الفلسطينية الداخلية. كما كان جلالته صوتًا داعمًا لاستقرار العراق وسوريا في أوقات الأزمات، مساهماً في جهود الوساطة وحماية المدنيين، وداعمًا لمبادرات مكافحة التطرف والإرهاب التي تهدف إلى حماية الأمن الإقليمي. وفي المحافل الإسلامية، عمل على تعزيز التضامن بين الدول الإسلامية، ودعم التعليم والصحة والتنمية في المجتمعات الأكثر هشاشة. كل هذه المواقف تعكس رؤية جلالة الملك عبدالله الثاني في أن الأردن يجب أن يكون صوت الاعتدال والتوازن، وقائدًا مسؤولًا في خدمة الأمة جمعاء.
وفي ذكرى ميلاد جلالة الملك عبدالله الثاني، لا يحتفل الأردنيون بعمرٍ يضاف إلى حياة قائدهم فحسب، بل يجددون العهد لمسيرة وطنٍ يقوده ملكٌ آمن بأن القيادة مسؤولية، وأن الوطن أمانة، وأن المستقبل يُصنع بالإرادة والعمل لا بالشعارات. إنها مناسبة وطنية نستحضر فيها معنى القيادة التي تجمع بين الحزم والرحمة، وبين الحكمة والشجاعة، وبين التاريخ العريق والرؤية المستقبلية.
حفظ الله جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين، وأدامه سندًا للأردن، وقائدًا لمسيرته، ورمزًا لوحدته واستقراره، وداعمًا ثابتًا لقضايا الأمة العربية والإسلامية، وحاميًا لحقوقها وكرامتها في العالم.




